ومن المستبعد أن يتعمد الرواة تغيير لفظ مراعاة لقواعد النحو، وكتب النحو زاخرة بالشواهد التي فيها شذوذ عن القواعد المقررة، ولم يرو لها ما يصلح شذوذها. وقد علقت المجلة في الحاشية على قول الباحث قائلة:"المعنى يقتضي إيثار رواية (أشياخ) على رواية (أشياء) ، ورواية (أشياء) تفسد المعنى" [1] وينتهي الشايب إلى القول:"وعليه فأشياء مصروفة، ولكن قد يعرض لها ما يمنع صرفها لعلة صوتية كما في الآية الكريمة، أو لإقامة الوزن، وذلك كقوله:"
فما أشياءُ نشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون
فالبيت من الوافر، ولو نونت كلمة (أشياء) لانكسر البيت، لذا جاءت غير منونة" [2] ."
وكنت وددت لو أن الباحث ضبط كلمة (أشياء) الواردة آنفا لنرى أيطبق ما ذهب إليه أم أنه يجاري الاستعمال الذي اشتهر عند الناس، وقد وردت (أشياء) في بحثة 23 مرة ولم تضبط بالشكل ففاتنا أن نعرف مذهبه الاستعمالي لها. وبالجملة فهذه الأبيات على قلتها لا تصلح دليلًا على أن أشياءَ كانت مصروفة؛ وليس لمن يريد صرفها سوى استصحاب الحال وهو أن الأصل فيها الصرف إذ لا علة لمنعها.
وبمراجعة الأشعار الجاهلية والإسلامية والأموية [3] نجد أن منها ما وردت فيه أشياءُ ممنوعة من الصرف، ووردت في بعضها مصروفة. وردت ممنوعة في قول جساس بن مرة:
تَبكي كُلَيبًا وَقَد شالَت نَعامَتُهُ ... حَقًّا وَتُضمِرُ أَشياءَ تُرَجّيها
وقول زهير:
قُلتُ لَها يا اِربَعي أَقُل لَكِ في ... أَشياءَ عِندي مِن عِلمِها خَبَرُ
وقول أحيحة بن الجلاح:
وَأُعرِضُ عَن أَشياءَ لَو شِئتُ نِلتُها ... حَياءً إِذا ماكانَ فيها مَقاذِعُ
وقول هدبة بن الخشرم:
(1) السابق، حاشية (#) أسفل صفحة 755.
(2) السابق، ص 756. والبيت في لسان العرب، مادة (نفق) .
(3) (*) جمع لي هذه الأشعار من الموسوعات الشعرية الآلية، المعيد في القسم أنس العايد.