ولعل إدراك ارتباط القضية بالسياق كان جديرًا أن يدفع البحث في مسار آخر ولكن الكلمة لم تكن سوى جزئية في عمل ضخم يتعذر معه طول التأمل، على أن النظر في السياق هو الذي أفضى إلى ما انتهى إليه أصحاب الاتجاه الصوتي.
ذهب إلى ذلك محمود البشبيشي من الاسكندرية [1] ، ويتبين هذا من الاعتراض الذي كتبه محمد غنيم في صفحة البريد الأدبي من مجلة الرسالة عدد 788 شوال 1367 هـ أغسطس 1948 م وعنوانه (أحسن ما قيل في كلمة أشياء) ص 906 - 907. وكذلك كتب أحمد أحمد العجمي في الموضع نفسه ص 907: وفحوى ردّ العجمي أن السبب الصوتي غير مقبول لوروده في آيات أخرى دون منع الصرف مثل قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ الّرحمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ} [15 - يس] وقوله تعالى {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِير} [9 - الملك] .
ورد عليهما البشبيشي في العدد 789 شوال 1367 أغسطس 1948 م قال:"وإنه لو وردت (أشياء) مصروفة في الآية الكريمة {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} لتكرر حتمًا مقطعان بلفظ واحد، وكان ذلك مخلا إلى حد ما بحسن الجرس والتناسق ولا شك أن القرآن الكريم في المكان الأول من رعاية هذا التناسق، والسلامة من كل مظان التنافر، وهذا -قلت- من أعظم وجوه الإعجاز، ولولا ذلك لجرى على كلمة (الأشياء) ما يجرى على كلمة (أفياء) وأمثالها من جموع القلة التي توازنها، ولا وجه للقياس على توالي المقطعين بتكرار (إن) في قوله تعالى: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِير} كما يقول الأستاذ العجمي، فإن القياس مع الفارق كما يقولون؛ إذ من الممكن بل من الحسن الوقف على كلمة (شيء) في هذه الآية وفي الآية الثانية التي أوردها الأستاذ العجمي، ويكون البدء بما بعد كلمة (شيء) في الآيتين مما يزيد المعنى قوة؛ وإذًا لا يتوالى مقطعان، على أن همزة (شيء) مسبوقة بحرف لين صامت وهمزة (أشياء) مسبوقة بحرف مد صاعد ولذلك تأثيره في ثقل المقطعين، أما"
(1) (*) نبهني إلى ما ورد في مجلة الرسالة عبدالعزيز العمران أحد دارسي الدراسات العليا في قسم اللغة العربية.