وأزالتهم عن التوحيد وعن الفطرة السليمة إلى الملل والنحل وغير ذلك من الشركيات التي كانت في ذلك الوقت؛ فمثلًا: حال جزيرة العرب في ذلك الوقت: كانت اليهودية في جزيرة العرب، والنصرانية في جزيرة العرب، والوثنية في جزيرة العرب، بعد أن كانوا على ملة إبراهيم -عليه السلام-، كيف بُدّل الدين؟ كيف دخلت اليهودية والنصرانية إلى جزيرة العرب؟ ثم -من خلال السيرة- كيف خرجت هذه الأديان كلها من جزيرة العرب وجُددت ملة إبراهيم من جديد؟
لا أقول جاءت من جديد لكن جُدِّدت، وما الرسل إلا مُذكرون بالميثاق الأول؛ بالفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجَّسانه) ، وفي رواية (أو يُشرِّكانه) ، وفي رواية لهذا الحديث (ما من مولد يولد إلا على الملة) يعني على ملة إبراهيم على الإسلام، فهذا الطفل عندما يكبُر في مجتمع يهودي، أبواه يكونان يهوديّين فهم يعلمونه اليهودية، وكذا باقي الأديان.
كذلك سبب دراستنا للسيرة ومعرفة واقع حال الناس في ذلك الوقت الذي بُعث عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ننظر في واقعنا اليوم وكأن الزمان يعيد نفسه، فمثلًا انظروا لحال المسلمين اليوم وكيف تسلّط الكفار عليهم؟ كيف حال المسلمين أنفسهم مع دينهم؛ بُعدًا عن الدين وتغييرًا لكثير من معالمه على رأس ذلك معالم التوحيد والولاء والبراء، بعض الناس عندما يرى الواقع هكذا إمّا أن يوافق الواقع ويقول: أنا ما أستطيع أن أُغيّر هذا الواقع، أو أنه يحاول فعندما لا يستطيع لا يفعل شيء ويعود كما الأول، أو أنه يتخذ سبيلًا وطريقة لتغيير الواقع مخالفة لما كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضوان الله عليهم-، والسبب أن الزمان غير الزمان، كيف الزمان غير الزمان؟! ذاك الزمان كان أشد من هذا الزمان!
فأنت عندما تدعو في أمة الإسلام مثلًا تُذكّرهم بما كان عليه أسلافهم، عندما تدعو اليهود والنصارى تذكرهم بتاريخ الإسلام معهم ومع أسلافهم في هذا الزمان، ونحن عندما نغيّر كما غيّر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نُبيّن للناس عظمة ديننا وعظمة نبينا، فكما غيّر النبي -صلى الله عليه آله وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم- ذلك الواقع المرير، نحن بإذن الله بسلوكنا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمعرفتنا بسيرته نستطيع أن نُغيّر ذلك الواقع، ولن يَصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح أوّلها.