بعد مسيرة حافلة بالجهاد والبذل امتدت لأكثر من عقدين من الزمان، ننعي لأمتنا المسلمة عامة وإلى قبيلة آنس خاصة، الشيخ العالم المجاهد/ أبا محمد، نصر بن علي الآنسي، الذي قُتل إثر قصف أمريكي استهدفه مع ابنه الأكبر محمد وعدد من إخوانه -رحمهم الله برحمته وتقبلهم في عداد الشهداء-.
لقد مضى الشيخ نصر الآنسي -رحمه الله- إلى ربه بعد رحلة مضنية شاقة، وترجل الفارس عن جواده بعد سنين طويلة قضاها متنقلًا بين ساحات الجهاد المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها من الفلبين إلى كشمير، ومن أفغانستان وطاجاكستان إلى اليمن، يجاهد بلسانه وسنانه كله همة ونشاط وبذل وتضحية، نذر نفسه للإسلام فلا تراه إلا في عمل يتنقل بين ساحات الجهاد وحِلق العلم، فجمع بين العلم بالدين الذي تلقاه عن كبار العلماء، والعلم العسكري الذي تلقاه على يديْ كبار المدربين المجاهدين، وقد وفَّقه الله -تعالى- فكان من خاصة إمام الزمان المجدد الشيخ الوالد أسامة بن لادن -رحمه الله تعالى-، فأخذ عنه السمت والحكمة وفِقْه الجهاد والحركة والدعوة.
ونهَل من معين القادة الكبار من أمثال الشيخ الوالد أيمن الظواهري -حفظه الله- والشيخ أبي حفص المصري -رحمه الله- والشيخ مصطفى أبي اليزيد -رحمه الله- والشيخ سيف العدل والشيخ أبي محمد المصري والشيخ أبي الخير وغيرهم من الرعيل الأول والصفوة السابقة من مؤسسي الجهاد المعاصر، فكان الشيخ نصر -رحمه الله- مدرسة متنوعة الأبواب مختلفة المشارب تؤتي أُكلًا طيبة وثمارًا يانعة قد علمته التجارب وثقفته الحوادث حتى صلب عوده واشتد، ونضج فكره واحتد، فأعطى لأمته كل ما يملك من جهد وفكر، ونذر لله كل حياته ليكون مثالًا لكل أهل العلم الصادقين تصيح بهم دماؤه اليوم: أن الْحقوا بالركب وانضموا للقافلة.
لقد تفرغ الشيخ قرابة العقد من عمره لطلب العلم ولتحصيل الفقه، ومع ذلك كان يعقد الدورات العسكرية ويؤلف الموسوعات الحربية ويدرب المجاهدين ليرسلهم إلى العراق وأفغانستان وإلى جبهات مختلفة ليبرهن أن طلب العلم وتحصيله لا يمكن أن يكون بحال عائقًا عن الجهاد، وليثبت أنهما متلازمان فلا جهاد بلا علم وعلماء، ولا يصلح للعالم حين يتعين الجهاد ويجب إلا أن يجاهد ويقاتل، فأحيا بذلك سيرة سلفنا الصالح -رحمهم الله- الذين جمعوا بين طلب العلم والجهاد فكان بحق فارس الميدانيْن ونموذج العالِم المجاهد.
أيتها الأمة المسلمة، هذا فارس من فرسانك وبطل من أبطالك وقامة من قاماتك يمضي إلى الله شامخًا بإيمانه مستمسكًا بعقيدته قابضًا على الزناد، أبى إلا أن يكون مع إخوانه وأبنائه المجاهدين في الميدان يوجه وينصح ويدرب ويُعد يحافظ على المسيرة من الانحراف ويصون الجهاد أن تتلاعب به يد الأعداء، فكان ومن سبقه من القادة الشهداء يحرصون ألا يحتجبوا عن وافد وألا يعتزلوا الميدان مع كثرة الأخطار وتربص الأعداء، فكانوا خير نموذجًا لجنودهم وخير