الصفحة 54 من 91

ثم هي أيضًا دليلٌ قاطع على حيوية هذه الأمة وأنها لا يمكن أن تموت، وأن رصيدها الإيماني قادر على أن يحمل المؤمنين على سرعة إعادة الصفوف بعد كل انتكاسة أو ملمة تلم بها، وذلك أن الهزيمة الحقيقية هي أن تفقد الأمة ثقتها بربها ويقينها بأن النصر لا محالة لها.

وقد كان من الممكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكتفي بالاستعداد الدفاعي في المدينة، ولكنه أبى إلا الخروج خلف جيش المشركين وكأني به - بأبي هو وأمي - يريد أن يعلم أصحابه أنهم حتى وهم في هذه الحالة من القرح الشديد والآلام المبرحة قادرون على الهجوم وليس فقط على الدفاع والتصدي للمعتدين.

ولعله صلى الله عليه وسلم قد أراد كما يقول صاحب"الظلال": (ألا يكون آخر ما تنضم عليه جوانح المسلمين ومشاعرهم هو شعور الهزيمة وآلام البرح والقرح، فاستنهضهم لمتابعة قريش وتعقبها، كي يقر في أخلادهم أنها تجربة وابتلاء وليست نهاية المطاف، وأنهم بعد ذلك أقوياء، وأن خصومهم المنتصرين ضعفاء، إنما هي واحدة وتمضي، ولهم الكرة عليهم متى نفضوا عنهم الضعف والفشل واستجابوا لدعوة الله والرسول) [في ظلال القرآن: 1/ 519] .

ولقد كان ذلك من أهم الدروس التي تعلمها الصديق رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين أصر على إنفاذ بعث أسامة بن زيد الذي كان قد جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لقتال الروم، مع كون المسلمين في ذلك الوقت كما قال بعضهم: (كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم، وقلتهم وكثرة عدوهم) ، حيث ارتد من ارتد من العرب، ومنع الزكاة من منع ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، وقد أشار عليه بعض الصحابة أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لكنه رضي الله عنه أبى إلا أن ينفذه قائلًا: (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة) .

فكان خروج الجيش ذلك الوقت كما يقول ابن كثير: (من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت