من أعجب الاستنباطات التي رأيتها حول هذا الموضوع ما جاء في سيرة الإمام أحمد رحمه الله حيث روى أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن هانئ قال: (اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام، ثم قال: اطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه. قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله. قال: إذا فعلت أفدتك. فطلبت له موضعًا، فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخاء، ونتركه في الشدة) [1] .
فلله در الإمام أحمد رحمه الله كم كان حريصًا على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأمور، حتى في مثل تلك الحال التي كان عليها من شد طلب الظالمين له وتربصهم به، فانظر إلى هذه العظمة الإيمانية وقارنها بحال كثير من المنتسبين للشرع والدين في هذه الأيام، ممن يزهدون الناس في اتباع كثير من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم بدعوى أنها من القشور، وليست من اللباب.
سادسًا؛ أليس الله بكاف عبده؟
وأخيرًا؛ فإن من أهم ما تثيره الهجرة من معانٍ ذلك المعنى العظيم الذي بدأت الآية بالإشارة إليه، وهو بيان أن الله ناصر دينه وأولياءه وإنْ خذلهم وتخلى عنهم الناس، فقد حمى الله رسوله وكفاه يوم الهجرة حين لم يكن يملك من مقومات القوة المادية شيئًا، {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 36 - 37] .
إن التأمل في هذا المعنى ليملأ قلوب المستضعفين من أهل الإيمان بالثقة في نصر الله تعالى لهم، وإنْ تكالبت عليهم الدنيا بأسرها؛ فالله تعالى قد تكفل لعباده وخواص أوليائه بالنصر في الدنيا والآخرة {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] ، {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] .
(1) حلية الأولياء: (9/ 180) .