وقد قال قوم من الخوارج: إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد مخصوص، فأما الذى فيه حد أو وعيد في القرآن فلا يزاد صاحبه على الاسم الذى ورد فيه مثل تسميته زانيًا وسارقًا ونحو ذلك.
وقد قالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقتهم كافر نعمة وليس فيه كفر دين، وفى هذا بيان خطأ الكعبى في حكايته عن جميع الخوارج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم، وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا الحسن رحمه الله من تكفيرهم عليًا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضى بالتحكيم"."
قال أبو الحسن:"والإباضية يقولون بأن كل كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار مخلدون".
ويقول السكسي كما في البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص 19) :".. وقالوا من أذنب كبيرة فهو كافر إلا النجدات فإنها لا تكفر من أذنب منهم وتكفر من اذنب من غيرهم ..".
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي مذكرة التوحيد (ص 12) :"ومن أصولهم -أيضًا-: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر، وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين، ولذا سموا وعيدية".
إن أمانة السماء تحتم علينا كحركة جهادية أولا وكمشايخ وطلبة علم ثانيا أن نجهر بالحق، وأن لا نخاف في الله لومة لائم كما أمر ربنا, رغم سياسة الإسقاط التي نجح بها الغلاة، ورغم فتكهم بالمخالف دون مراعاة لحرمة علم ولا سبق ولا ديانة, فإن مصلحة بيان الدين ووضوح المنهج من أعظم المصالح الشرعية التي لا بد أن يبذل في سبيلها الغالي والنفيس, وإن السكوت على أهل البدع وترقيع بدعهم لهو خرق كبير له مآلاته الخطيرة، ولذلك حذر من هذا العلماء وأئمة الدين.
قال الفضيل بن عياض:"من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله تعالى على محمدصلى الله عليه وسلم، ومن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع" [1] .
قال الشاطبي:"فإن توقير صاحب البدعة مظنّة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:"
(1) [شرح السنّة للبربهاري (ص: 139) ]