فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 1060

وقال أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين [1] ، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامةَ الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) [2] .

وقال أيضًا: (فإن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يُكَفَّر تاركها. كما ثبت في:(الصحاح) عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، في (الرجل الذي قال:"إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم؛ فوالله لئن قدر عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين"، فقال الله له:"ما حملك على ما فعلت؟"، قال:"خشيتك"فغفر له) .

فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو: شك، وأنه لا يبعثه، وكل واحد من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له لخشيته.

فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو: يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص عُلم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم) [3] .

وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-: (الأقوال التي يكفَّر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو: لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عَرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأه [4] ، فإن الله يغفر له خطاياه كائنًا ما كان، سواء كان في:

(1) -وهذه أول قاعدة من قواعد التكفير-كما سترون ذلك-في كتاب شيخنا أبي الفضل-فرج الله عنه-الذي أسماه: (مجموعة الرسائل في أهم المسائل) (ص:65/رقم:5) . أو: (ص:79/ 81/رقم:5) -من مطبوعات دار الكتب العلمية، بيروت-وقد نظم شيخنا أبو الفضل عمر الحدوشي-فرج الله عنه-هذه القاعدة: (الكفر العام لا يستلزم دائمًا الكفر العام) فقال:

لاَ يُوجِبُ الْكُفْرُ فِي التَّعْمِيمِ لُذْ بِحِجَى *** كُفْرَ الْمُعَيَّنِ فِي التَّخْصِيصِ فَالْتَزِمِ

(2) -انظر: (مجموع الفتاوى) (الكيلانية) (12/ 487/488) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:52) للشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف.

(3) -انظر: (مجموع الفتاوى) (3/ 231) ، و (11/ 409/410) .

(4) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه القيم: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) (ص:57) : (فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر، وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لأن إدراك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو: متعسر) . ط: المكتب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت