وقد صنَّف الإمام مالك"الموطأ"في حديث وفقه أهل المدينة، ورواه عنه جمّ غفير من النَّاسِ، وتفرَّقَ أصحابُه في البلاد، دون تقليد له فأصبحوا مدارس متعدِّدةً، وكان فيهم مدرسةٌ أثريَّةٌ وأخرى غلبَ عليها الرَّأْيُ.
وقد تعزّزتِ المدرسةُ الثّانية على يد الإمام عبد الرّحمن بن القاسم العتقي خاصّة لما جمع تلميذه سحنون"المدونة"التي أصبحت الأصل الثّاني للمذهب، وهكذا بدأتْ تكثرُ السَّماعاتُ والرِّواياتُ، ثم جمعت في مختصرات سهل فهمهما؛ حتَّى آل الأمرُ إلى المتون الصَّغيرةِ الَّتي منها هذا المتن الذي سنشرحه، بحول الله تعالى.
وقد كان الأئمّة الكبار ينهون عن تقليدهم ويأمرون أصحابهم بالنَّظرِ في الكتاب والسُّنَّةِ والآثارِ السَّلفيَّةِ.
وقد قال معن بن عيسى القزاز: سمعتُ مالكَ بْنَ أنسٍ يقولُ:"إنِّي أنا بشرٌ أخطئٌ وأصيبُ فانظرُوا رَأْيِي، فكلُّ مَا وافقَ الكتابَ والسُّنَّةَ فخذُوا بهِ، وما لم يوافقِ الكتابَ والسُّنَّةَ فاتركُوه" (2) .
وقال سند بن عنان في شرحه على المدونة:"أمَّا مجرَّد الاقتصارِ على محضِ التَّقليدِ فلَا يَرْضَى بِهِ رجلٌ رَشِيدٌ" [1] .
قال الحافظ ابن عبد البر:"وهذا كلُّه لغير العامَّة، فإنَّ العامَّةَ لَا بدَّ لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبيّن موقع الحُجَّةِ، ولا تصلُ لعدم الفهم إلى علم ذلك، ولأنَّ العلمَ درجاتٌ، لا سبيل منها إلى أعلاها إلَّا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائلُ بين العامَّةِ وبين طلبِ الحُجَّةِ، واللهُ أعلم."
ولم يختلف العلماءُ أنَّ العامَّةَ عليها تقليدُ علمائها وأنَّهُمُ المرادونَ بقول الله عزَّ وجلَّ، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل من الآية:43] " [2] ."
(1) الفتح الرباني (5/ 2192) .
(2) جامع بيان العلم (2/ 989) .