فنقول: إن من طبيعة الإسلام أنه جاء لكل زمان ومكان، لذلك فإنه لم يفصل في دقائق النظام الإسلامي، بل أعطى خطوطا عريضة، وترك المسلمين لينزلوها على واقعهم، وقد فعل ذلك المسلمون، غير أن النقص الذي اعتراهم هو أنهم تركوا الأمر للتجارب وحال كل حاكم، ولم يخضعوه لنظام مؤسسي ثابت، فكانت النتيجة هي أن ما يصلحه حاكم عادل تفسده نزوة آخر أخرق.
ولعل العذر لهم في ذلك الزمان هو عدم سيادة ثقافة المؤسسات، أما اليوم فنحن أحوج ما نكون لنظام مؤسسي يأخذ بعين الاعتبار ما سنذكره من أصول، وينظمها في مؤسسات حتى لا تضيع الجهود بنزوة حاكم أو تهور زعيم.
1.الحكم لله تعالى:
و هذه أول قاعدة وأعظمها في النظام الإسلامي، ومعنى ذلك أننا نتحاكم للكتاب والسنة بالقواعد والأصول المقررة في علم"أصول الفقه"، فنستنبط ونستمد من الفقه الإسلامي الرحب باجتهاداته الثرية، وأقواله الغنية، ما ينفع زماننا. قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) . (النور: 51) . وقال سبحانه: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وتتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) . (الاعراف: 3) .
وقد أبدى القٍرآن وأعاد في تقرير هذه القاعدة وتحطيم الطواغيت الحاكمة والمشرعة من دون الله تعالى، حتى يكون الجميع عبيدا لواحد أحد، وهذا هو معنى الإسلام: الاستسلام لله، والخضوع له بالطاعة، والخلوص من الشرك.
ولذا كان التمرد على الله بتعطيل شريعته واستبدال غيرها بها من المروق من الدين والكفر برب العالمين، فقد قال تعالى: (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . (المائدة: 44) وقال سبحانه: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) . (يوسف: 40) .
وبناء على ذلك كان التحاكم لغير شرع الله طواعية مع الرضا به كفرا مخرجا من الملة، فقد قال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . (النساء: 65) ، وقال سبحانه: (ألم تر إلى