لكن النصارى أعداء الله كما قال الله تعالى عنهم وعن سائر أصناف الكفار: {إنهم لا أيمان لهم} (التوبة:12) ،فإنهم بمجرد ما استتب لهم الأمر عطلوا الحدود، غير أنهم تركوا المحاكم تحكم بمقتضى مشهور مذهب الإمام مالك في سائر الأمور.
وكان كثير من أهل البوادي والجبال من العرب والبربر في جاهلية جهلاء، ويحكمون بأعرافهم الجاهلية، فأراد الفرنسيون-دمرهم الله تعالى-أن يُحدثوا فتنة في البلاد بين العرب والبربر فاستحدثوا"الظهير البربري"سنة 1350 هـ، الذي يجيز لمناطق البربر الخروج عن الشرع والتحاكم لأعراف الجاهلية. فقام العلماء ومعهم رجال الحركة الوطنية، وأغلب قادتها من العلماء الشباب، واشتد نكيرهم على ذلك واعتبروه نقضا لمعاهدة الحماية.
ولما استقل المغرب سنة 1376 هـ عن فرنسا، تقرَّر توحيد المحاكم المتفرقة بين محاكم مدنية وعسكرية، مغربية وفرنسية، تحت محكمة واحدة لها قانون واحد، فاحتدم النقاش بين تيارات علمانية داخل الحركة الوطنية تنادي باقتباس قانون علماني مثل القانون الفرنسي، وأخرى إسلامية تنادي بالعمل بالشريعة الإسلامية، وأنه لا استقلال حقيقي دون الرجوع للشرع.
فكان أن أمر السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) [1] بإنشاء لجنة من العلماء تكتب مدونة للقانون مستمدة من الفقه الإسلامي، فلما أنجزت قسم الأحوال الشخصية أوقف عملها!.
ولما مات السلطان سنة 1380 هـ، قرر خلفه الحسن بن محمد بن يوسف (الحسن الثاني) تطبيق قانون فرنسي وإلغاء عمل لجنة العلماء.
وقد استنكر ذلك جماعة من كبار العلماء، مثل: محمد الباقر الكتاني [2] ، ومحمد بن عبد الرحمن العراقي، وعلال بن عبد الواحد الفاسي [3] ، وألف كتابه"دفاعا عن الشريعة". وأنكر ذلك آخرون مثل:"رابطة علماء المغرب"وجماعة من علماء الحركة الوطنية. لكن صيحاتهم ذهبت في مهب الريح.
(1) :"محمد (الخامس) بن يوسف بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الحسنى العلوى، أبو الحسن المنصور بالله: ملك المغرب، ولد بفاس وتعلم بها وبالرباط ..."إهـ"الأعلام للزركلي" (7/ 158 - 159) توفي سنة 1380 هـ.
(2) :هو والد جد المؤلف من جهة أمه السيدة الكريمة نزهة الكتاني-بارك لنا في عمرها-.
(3) : علال (أو محمد علال) بن عبد الواحد بن عبد السلام بن علال بن عبد الله بن المجذوب الفاسي الفهري: زعيم وطني، من كبار الخطباء العلماء في المغرب. ولد بفاس وتعلم بالقرويين ... و صدرت له كتب .. "إهـ"الأعلام للزركلي" (4/ 246 - 247) توفي سنة 1384 هـ."
وهو ابن عم والد جدة المؤلف من جهة أبيه السيد علي المنتصر الكتاني-رحمه الله-.