الصفحة 96 من 202

على هذا فإن القصيدة في هذه الصيغة ملك للنثر وليس العكس ... وفي الختام أؤكد شرعية قصيدة النثر وشعرية قصيدة النثر وحداثة قصيدة النثر بشرط أن تفهم على أنها آخر صيحة من صيحات النثر وليس مرحلة من مراحل تطور الشعر" (43) ."

يصرّ البصري، إذن، على أن قصيدة النثر ليست جنسًا شعريًا أو جنسًا مستقلًا عن النثر، بل أنها جنس نثري، ولا يقدم أية تسويغات لرأيه، ولا يفند مزاعم الآخرين ممن يخالفونه الرأي في ذلك وفي رأيه من الانطباعية ما لا يخفى، لأنه يبتعد عن التعليل وبيان الأسباب مكتفيًا بالأحكام التي يقررها.

بيد أن خليل خوري في مهاجمته قصيدة النثر يبدو موقفه أكثر تماسكًا من موقف البصري، إذ يقرر أن قصيدة النثر ليست حديثة الظهور في الأدب العربي وآداب الأمم الأخرى ويورد أمثلة كثيرة، منها ما يعود إلى سنة (192) ميلادية ويقرر أن أيًا من تاريخ الآداب القديمة لم يحفل بقصيدة النثر لأنها كانت نشاطًا ضحل الأهمية قياسًا إلى الشعر ويرجح أنها انحسرت في مرحلة ما من التاريخ لتكون مكرسة للتسابيح الدينية (44) .

ثم يهاجم قصيدة النثر بقوله:"إن الكلمات الطنانة والحجج التي تريد أن تمنح قصيدة النثر شرعية وجود ناجمة عن عقدة نقص نابعة من الإحساس، بل من اليقين، بدونيتها إزاء الشعر، وهي كلها في لغة علم النفس ضرب من التعويض، ويكفي أن نشير إلى أن الصفات والخواص التي تسبغ عليها مستعارة كلها من خواص الشعر والقصيدة الشعرية وصفاتها بدءًا باسمها: قصيدة وانتهاء بعبارات مثل: الموسيقى الداخلية واللغة والأخيلة والصور وما شابه".

ويسأل عن تطور الأنواع الأدبية في تاريخ الأدب العربي بقوله:"ألا يجوز أن تكون المراحل التي سبق تجلي الشعر في ذراه الجاهلية قد عرفت قصيدة النثر من بين ما عرفته من أشكال ومحاولات أهملتها لاحقًا نظرًا لبلوغ التطور الشكل الأكثر كمالًا في الشعر، وإن سجع الكهان بالذات هو أثر متقدم من آثارها؟ وهذا يكون الشعر لا قصيدة النثر ممثل المراحل المتقدمة من التطور، وأن العودة إلى قصيدة النثر دلالة تخلف، وأن الشعر هو عنوان التجاوز والابتكار لا العكس".

ويحاول في حلقة ثانية من مقالته تقوية حججه في رفض قصيدة النثر بقوله:"ولنفرض على سبيل الجدل أن في قصيدة النثر موسيقا داخلية، أفليس من باب أولى أن يكون للقصيدة الشعرية موسيقا داخلية كذلك؟ وإن عامل الوزن يساعد على إبرازها ... إذا كان الوزن على الرغم من ذلك كله مما ذكرنا من وظائف"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت