الصفحة 5 من 202

يُعدّ موضوع هذا الكتاب موضوعًا مهمًا لأنه يسلّط الضوء على الكتابات النقدية التي ظلت بعيدة عن أيدي الدارسين، لأن الصحف، ولا سيما اليومية منها، تمتاز بصعوبة الاحتفاظ بها لزمن طويل، ولهذا يمكن للمقالات والدراسات المنشورة فيها أن تضيع كلما ابتعدنا عن زمن نشرها، ولا يتحقق الرجوع إليها الاّ للمتخصصين، وعلى هذا تكون دراسة تلك المقالات أحياءً لتراث أدبي يمكن أن يندثر بمرور الزمن، صحيح أن قسمًا من الكتّاب يعمد إلى نشر مقالاته النقدية في كتاب، ولكن كم هو عدد أولئك الكتّاب الذين يقومون بتلك المهمة؟

وتتأتى أهمية هذا الموضوع من أنه يتناول المقالات والدراسات النقدية المنشورة في الصحافة لمدة زمنية معلومة هي المدة الممتدة بين عامي 1958 - 1990، إذ أن كثيرًا من الباحثين الذين اتخذوا من (( نقد الشعر العربي الحديث) موضوعًا لدراستهم توقفوا عند سنوات أخر تسبق السنة التي اخترناها لتكون نهاية مدة البحث، ومنهم عباس توفيق رضا في دراسته: نقد الشعر العربي الحديث من عام 1920 - 1958، وثابت الآلوسي في دراسته: اتجاهات نقد الشعر في العراق من 1958 - 1980، وعباس ثابت حمود في دراسته: النقد الجامعي العربي للشعر العراقي الحديث 1945 - 1980، وحسين عبود حميد في دراسته: المناهج النقدية في نقد الشعر العراقي الحديث.

عُنيت دراسة عباس توفيق رضا بالحقبة الزمنية التي تسبق الحقبة التي اخترناها في هذا الكتاب، فكان ناقدًا ومؤرخًا لحقبة التأسيس في تاريخ النقد الأدبي الحديث في العراق، وألمّ فيها بالكثير من قضايا النقد واتجاهاته معتمدًا على ما نشر في الكتب والصحف وما أجراه من مقابلات شخصية، ولا يمكن لمن يريد دراسة نقد الشعر العربي الحديث في العراق الاستغناء عن تلك الدراسة وإن اتسمت في أنها نفخت في عدد من الملاحظات النقدية السريعة والعرضية التي درستها ووضعتها تحت تسمية (مناهج نقدية) حتى إنه يوحي للقارئ بوجود مناهج نقدية ذات ملامح محددة عند أدباء العراق قبل منتصف هذا القرن.

أما الدراسات الثلاث الأخر فتتداخل مع الحقبة التي اخترناها لهذا الكتاب، إذ عنيت دراسة ثابت الآلوسي باتجاهات نقد الشعر بين عامي 1958 - 1980، أي أن ما يباين اختيارنا عن اختياره هو مدة السنوات العشر الواقعة بين عامي 1980 - 1990 وهي مدة غنية بالمقالات النقدية، بل تعد من أغنى الحقب بنقد الشعر، أما دراسة عباس ثابت حمود فقد اقتصرت على النقد الجامعي العربي للشعر الحديث، وهذا النقد في بعض أوجهه يقف في الجهة المعاكسة من النقد المنشور في الصحافة، وعلى ذلك فإن موضوع دراسة حمود يباين موضوع دراستنا، إذ أن هذا الكتاب معني بالنقد المنشور في الصحافة، وهو أعمّ وأشمل من النقد الجامعي.

ولا تختلف دراسة حسين عبود حميد في منحاها العام عن المنحى الذي اتخذه ثابت الآلوسي من قبل والذي سنتخذه في هذا الكتاب من حيث عنايتها بالمناهج النقدية في نقد الشعر العراقي الحديث، غير أن حسين عبود حميد كان انتقائيًا، إذ لم يحدد زمنًا معيّنًا يدرس فيه النقد، بل اختار أمثلة من الدراسات النقدية وسلّط عليها الضوء واضعًا إياها تحت تسميات مختلفة.

إن دراسة (نقد الشعر العربي الحديث في العراق من 1958 - 1990) دراسة تباين الدراسات الأخرى في هذا الباب، ولعلّ اختيار ميدانها: الصحافة، والزمن الذي نشرت فيه المقالات النقدية: 1958 - 1990 هو العامل الأساس للتباين بينهما والدراسات الأخر التي سبقتها، فضلًا عن عوامل التباين الأخرى المتمثلة في اختلاف طرق البحث واختلاف زوايا النظر.

يقوم هذا الكتاب، إذن، بدراسة اتجاهات نقد الشعر العربي الحديث في الصحافة العراقية، غير أن تعبير (الصحافة العراقية) تعبير عام يشمل الصحافة اليومية والاسبوعية فضلًا عن المجلات الإسبوعية والشهرية والفصلية، وأن دراسة نقد الشعر في الصحافة كلها يلزمه أكثر من باحث، ولذلك اكتفى الباحث بدراسة النقد المنشور في الصحافة اليومية لكي يكون جهده واضحًا ومحددًا في ميدان معيّن، والسبب الأساس لاختيار موضوع الصحافة اليومية كان في حقيقته سببًا عمليًا، فبعد شهور من البحث المضني في الصحف اليومية لجرد المقالات النقدية المنشورة فيها، تبين للباحث أن ما اطلع عليه من مقالات في تلك الصحف يكفي وحده أن يؤلف موضوعًا لدراسة جادة، إذ بلغ عدد الصحف اليومية التي تم جردها سبعًا وستين صحيفة، احتوت (2612) مقالة خضعت للفحص والمعالجة النقدية، وهذه وحدها تحتاج إلى جهد مضن لتحليلها والكشف عن الاتجاهات النقدية التي يمكن أن تنضوي تحتها.

أما لماذا اختار الباحث تسمية (اتجاهات) في عنوان الكتاب: (اتجاهات نقد الشعر العربي الحديث في العراق) وكان يمكن أن يختار تسمية (مناهج) أو تيارات أو (مذاهب) أو غيرها، فلقد كان الظن ينصرف في بدء البحث إلى أن أغلب الكتابات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية لا يستهدى برؤية منهجية واضحة، ولقد تأكد هذا الظن عند تحليل المقالات النقدية المدروسة، ثم أن هذا الكتاب، حسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت