الخطة المعدة له، ما كان معنيًا بدراسة المناهج النقدية وحدها، وإنما انصبت عنايته لدراسة الجهود النقدية التنظيرية والتطبيقية، وعلى هذا، نرى أن تسمية (اتجاهات) أكثر دقة من غيرها من التسميات، من غير أن يعني ذلك أننا نضعها رديفًا لمصطلح (مناهج) أو معاكسًا له.
كانت الخطوة الأولى التي قام بها الباحث جرد المقالات النقدية المنشورة في الصحف اليومية جميعها، وإعداد فهرست وثائقي لهذه المقالات يتضمن اسم الصحيفة واسم كاتب المقالة وعنوان مقالته وتاريخ نشرها واسم الاتجاه النقدي الذي يمكن للمقال أن ينضوي تحته، وكانت هذه الخطوة أصعب الخطوات إذ أخذت من الباحث وقتًا طويلًا وجهدًا مضنيًا، غير أنها كانت في الوقت نفسه خطوة ضرورية لتأسيس ركيزة أساسية للمادة النقدية الخاضعة للدراسة يمكن أن تنفع الباحث في هذا الكتاب ويمكن أن تنفع آخرين في المستقبل.
وقد تيسرت للباحث حصيلة جيدة من المقالات النقدية بلغ عددها (2612) مقالة، وما كان يمكن للباحث أن يعود إلى هذه المقالات بيسر لولا استعانته بجهاز الحاسوب الذي بوّب هذا العدد الكبير من المقالات على الأبواب التي ذكرناها، بحيث أصبحت العودة إلى أية مقالة لا تستغرق إلاّ ثوانٍ قليلة.
ربما يعرض أمامنا سؤال بارز: هل امتاز هذا الجرد بالدقة التي ينبغي توافرها في الأعمال التوثيقية؟ والجواب عن ذلك: كلا، ذلك أن الباحث اطلع على الصحف الموجودة في مكتبة جامعة بغداد المركزية، وفي المكتبة الوطنية ببغداد، وإذا كانت المكتبة الوطنية مسؤولة عن الاحتفاظ بكل مطبوع يصدر في العراق، بحكم القانون، فقد لاحظ الباحث نقصًا في أعداد قسم من الصحف، فما يدريه إن كانت هناك صحف أخرى مفقودة لشتى الأسباب؟
إن هذا يجعلنا غير متيقنين من دقة الجرد التوثيقي، ولكن علينا الإشارة في الوقت نفسه إلى أن عدم الدقة هذا لا يؤلف خللًا خطيرًا، فأعداد الصحف التي لم يطلّع عليها الباحث، إن وجدت، فلا بد من أن تكون قليلة لا تذكر بجانب الأعداد الكبيرة التي اطلّع عليها، وهذا ما يجعل الباحث مطمئنًا، إلى حدّ ما، إلى سلامة النتائج التي سيتوصل إليها في هذا الكتاب.
وكان على الباحث، أمام هذا العدد الكبير من المقالات، أن يختار منها ما يصلح للتحليل والدراسة، واعتمد على أسس معينة في الاختيار، منها أنه لا يختار لمن لم يعرف ناقدًا إلاّ إذا وجد له أكثر من عشر مقالات نقدية، أما المعروفون من النقاد فلم يخضعهم لهذا الشرط، ومن الطبيعي القول إن الباحث لجأ، أيضًا، إلى الاختيار بين مقالات الناقد الواحد، فمن غير المعقول أن يخضع (200) مقالة لناقد واحد للتحليل، ولذا كان يختار من بينها ما يمثل اتجاه ذلك الناقد.
لقد التمس الباحث، في هذا الكتاب، أن يستقرئ النصوص النقدية وأن يجعلها تكشف عن اتجاهها النقدي، من غير أن يلجأ إلى الحكم السابق عليها، مناقشًا الآراء ووجهات النظر، وكان يستعين بمصادر أخرى لإضاءة قضية ما كلما رأى أن الحاجة تتطلب ذلك، كما كان يُعنى بالتتبع التاريخي للقضايا النقدية التي يناقشها، وفضلًا عن ذلك، كان يقدم تعريفًا موجزًا بالنقاد الذين يتناول مقالاتهم عندما يرد اسم الناقد منهم في المرة الأولى.
وعلى أساس هذه الرؤية المنهجية قسّم الكتاب على أربعة فصول يسبقها تمهيد وتتلوها خاتمة، فضّم التمهيد بحثًا عامًا عن الصحافة والأدب، والنقد في الصحافة مع عناية خاصة برصد الصفحات الأدبية في الصحافة اليومية العراقية خلال مدة البحث، كما ضمّ التمهيد وقفة طويلة مع المناهج النقدية كما وصلت إلينا، عبر الترجمة، من مصادرها الأصلية، وكما عبّر عنها النقاد والباحثون العرب والعراقيون.
وتضمن الفصل الأول منه التنظير للمناهج النقدية على ما عبّرت عن ذلك المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، أما الفصل الثاني فقد تضمن التنظير للمفاهيم النقدية التي تعرضت إليها تلك المقالات، أما الفصل الثالث فقد عني بالمقالات النقدية التطبيقية التي تندرج تحت تسمية الاتجاهات السياقية، وفي حين عني الفصل الرابع بالمقالات النقدية التطبيقية المنضوية تحت تسمية الاتجاهات النصية، وتضمنت الخاتمة الخلاصات والنتائج التي توصل إليها الباحث.
ومن اللازم الإشارة إلى فضل عدد من الأساتذة والأصدقاء الذين أعانوا الباحث سواء في التشجيع أو في إعارة قسم من المصادر، وفي مقدمتهم الدكتور جلال الخياط والدكتور عناد غزوان، كما تنبغي الإشارة إلى تجاوب عدد من النقاد مع الباحث إذ قدموا إليه شهادات شخصية أعانته كثيرًا وقدمت له إضاءات مهمة عن القضايا التي تضمنتها مقالاتهم النقدية الخاضعة للدراسة.
بيد أن الفضل الأول والأخير في ظهور هذا الكتاب إلى الوجود يعود إلى الأستاذ الدكتور جميل نصيف التكريتي الذي رافقه منذ كان فكرة أولى حتى ظهر بشكله النهائي، وتحمّل بصبر عجيب الظروف والمصاعب التي أحاطت بالبحث والباحث.
فإليهم جميعًا وإلى أصدقاء آخرين لم يتسع المجال لذكرهم أجزل آيات الشكر والعرفان، وجزاهم المولى القدير عنا خير الجزاء.
ومن الواجب الإشارة إلى أن الباحث وحده يتحمل المسؤولية الكاملة عن أية هفوة في هذا الكتاب.
وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا ويأخذ بأيدينا لخدمة الأدب العربي والثقافة العربية.