حيوية لا يصنع شعرًا فمن باب أولى الاّ يتمكن اللاوزن في ما يسمى قصيدة النثر من أن يصنع شعرًا"."
إن موقف خليل خوري المتماسك يبدو لنا في تلك الإحالات على تاريخ الأدب العربي والاستعانة بالنصوص النثرية الرفيعة التي اقتربت من الشعر ومحاولة محاججة المنافحين عن قصيدة النثر بحجج منطقية مبنية على منطقهم هم في الدفاع عن ذلك النمط الأدبي، وتهديم تلك الحجج، غير أنه، أيضًا، شأنه في ذلك شأن البصري لم يلتفت إلى مصطلح قصيدة النثر كما استقرّ عند مبتدعيه أو ناقليه أو مترجميه العرب، وإنما قصر مناقشته على فكرة مؤداها أن قصيدة النثر نصّ خال من الوزن، عازلًا إياها عما أحاط مفهومها الاصطلاحي من رؤى ومفاهيم مقترنة بها.
وكان الأجدر به أن يناقشها ضمن ذلك الإطار المرجعي الأشمل ولا سيما في نطاق ظهورها الفرنسي، وهو الأقدر من غيره على ذلك، بحكم تمكنه من اللغة الفرنسية، ولو فعل ذلك لقدّم لنا رؤية أعم وأشمل يمكن أن تثرى نظرية الأدب العربية في هذا الجانب المحدد.
يتبين لنا، مما سبق، أن النقاد الذين ناقشوا موضوع قصيدة النثر في مقالاتهم المنشورة في الصحافة العراقية، ظلوا في الأغلب الأعم بعيدين عن قضيتين جوهريتين: الأولى التفسير الموضوعي السليم لهذه الظاهرة التي شاعت في الأدب العربي المعاصر، والثانية اكتفاؤهم بتحديد إطار عام تنظيري يناقشون به تلك القضية من غير أن يعنوا بنصوص قصيدة النثر أو ينطلقوا منها في تلك المناقشات.
وينطبق هذا الحكم الذي توصلنا إليه على النقاد في الفئتين المتباينتين: فئة النقاد الذين يدافعون عن قصيدة النثر، وفئة النقاد الذين يزرون بها ويخاصمونها.
وقد نتج عن ذلك كله، أن تلك النصوص النقدية التي أشرنا إليها ظلت تلتزم، في الأعم الأغلب، بتقرير أحكام قاطعة، مع قصيدة النثر أو عليها، من غير أن تسعى إلى توثيق أسباب تلك الأحكام وبيان حيثياتها، وربما نجد من يسوغ ذلك بقوله أن طبيعة النشر في الصحافة اليومية تحدّ من إمكان الإحالة على المراجع والنصوص، ونقول لمن يقدم مثل تلك الذريعة، إن النشر لا يقف حائلًا دون تعليل الأحكام، ولا سيما أننا لاحظنا وجود مقالات نقدية طويلة نسبيًا قد تأخذ حيّزًا كبيرًا من حجم الصفحات الأدبية، كما لاحظنا وجود حلقات متسلسلة من دراسة واحدة في أكثر من صحيفة يومية.