الصفحة 93 من 202

إليها على أنها نمط شعري وإن خلت من الوزن الذي هو عنصر خارجي عن القصيدة، وتتلخص الرؤية الثانية في عدم تحبيذ هذا النمط وتوجيه ملاحظات نقدية إليه.

ويعد حاتم الصكر واحدًا ممن ينتمون إلى الرؤية الأولى المحبذة لقصيدة النثر، وفي الوقت الذي يرى أن واحدًا من أخطاء كتّاب قصيدة النثر:"أنهم لا يترددون في نعتها بأنها قصيدة المستقبل مما يوحي بأنها تنفي الأشكال الشعرية السائدة" (36) لا يتردد هو نفسه في إطلاق هذا النعت عليها إذ يقرر أن قصيدة النثر:"وعاء يصبّ فيه الشاعر أفكاره ... وهو إذ يختار هذا الشكل فليعلم أنه اختار شكلًا مستقبليًا، بمعنى أنه قد لا يكون مفهومًا من معاصريه بالدرجة التي كان عليها السياب، لكنه سيكون مفهومًا وربما مقبولًا في المستقبل حين يتم نضج المتلقي".

ونلاحظ أن الصكر لا يناقش قصيدة النثر في ذاتها مفهومًا ورؤية تنظيرية، بل يربط فهمها وتقبلها بنضج المتلقي في المستقبل، في حين أن المعروف: أن قصيدة النثر كما نعرف ذلك من أمثلتها المقبولة عربيًا، قصيدة تضجّ بالمباشرة وأنها تقترب من اللغة المحكية فهي مفهومة واضحة وإن صدمت ذوق المتلقي أحيانًا.

بيد أنه لا ينسى في مناسبة أخرى أن يؤكد:"أن أبرز شروط قصيدة النثر هي الإيجاز والتوهج والمجانية وصولًا إلى إنتاج نوع مستقل لا هو بالنثر ولا هو بالشعر". ولم نجد في ملاحظات حاتم الصكر عن قصيدة النثر ما يضيف شيئًا جديدًا في توضيح هذا المفهوم أو يغني نظرية الأدب في هذا الجانب وإنما اتسم تناوله هذه القضية بالسرعة، وهي السمة التي تفرضها الصحافة إجماليًا على الكتابات النقدية.

وحاول محمد مبارك (37) أن يجد جذورًا لإيقاع قصيدة النثر في التراث العربي وليقرر بعدها:"ليس لأحد أن ينكر على المبدع البنية الإيقاعية التي يراها لآثاره الشعرية ... من هنا اجرؤ على دعوة المعنيين بعروض فن القول الشعري إلى دراسة قصيدة النثر للوقوف على إيقاعاتها المتنوعة التي ربما أغنت اللغة بما لم تغنها الإيقاعات الرسمية حتى اليوم (38) ."

ونرى أن إيجاد جذور تراثية لقصيدة النثر ليس بالأمر العسير إذا نظرنا إلى قصيدة النثر على أنها تمثل مغايرة إيقاعية حسب، وهذا ما نحسب أن الناقد قد توهمه، لأن خلو تلك القصيدة من الأوزان التقليدية ليس سمتها الوحيدة في مجالها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت