الصفحة 45 من 58

ولم أكن لأعير هذه الشبهة اهتمامًا لولا أني وجدت بعض العلماء قد أفتى بذلك في"مجلة المسلمون"! وقال قولًا كهذا الكلام (13) وهذا - والله أعلم - استدلال فاسد، إذ العبرة بما استقرّ عليه الأمر في آخر حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم - لم يجاهد في مكة، لأنه كان مأمورًا بالصبر والصفح، ولم يكن الجهاد قد شرع بعد، ثم شرع الجهاد، ومرّ ذلك بمراحل لخصها ابن القيم - يرحمه الله - في قوله"وكان - أي الجهاد - محرمًا في مأذونًا به ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين" (14) .

وكانت نهاية تلك المراحل هي فرضية الجهاد كما في آية السيف: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة، الآية: 5] .

وفي قوله - تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة، الآية: 36] .

ولو صحّ هذا الذي ذهبوا إليه؛ لصحّ لقائل أن يقول:"إنني الآن لا أصوم ولا أزكي؛ لأننا الآن في عصر يشبه العصر المكي، والصيام والزكاة، لم يشرعا إلا في العصر المدني، وإن قالوا: لا نقول بذلك في الصيام والزكاة ونقول به في الجهاد والدعوة. نقول: ومن أين جاء هذا الاستثناء؟ أوليس هذا تشريعًا أيضًا؟!"

ولو أن صاحب هذه الفتوى قال: بأن الجهاد واجب ولكنه يسقط عند عدم القدرة عليه، فإن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها؛ لكان قوله حريًا بالقبول، ونقول له حينئذ: إنه إذا سقط الجهاد لعدم القدرة عليه وجب الإعداد، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله - ونقول له - أيضًا: إن القدرة أمر نسبي يختلف من مكان لمكان، فقد تقدر جماعة في بلد على الجهاد في حين لا تقدر جماعة في بلد آخر، فيجب على القادرة مالا يجب على غير القادرة والله أعلم.

وقريب من ذلك ما ذكره بعضهم من عدم جواز الانشغال بتغيير المنكر باليد في أيامنا هذه؛ لأننا في حال الاستضعاف مستدلًا بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكسر الأصنام في العصر المكي، وإنما كسرها بعد التمكين في عام الفتح.

ونقول هنا ما قلناه آنفًا من أن الدين قد كمل، ونحن مطالبون بآخر أمره، صلى الله عليه وسلم، فإن لم نقدر على شيء منه فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول:"ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (15) .

ونضيف إلى ذلك أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يحطّم الأصنام جملة، ليس لأنه لا يجوز تكسير الأصنام في العصر المكي، بل لعدم قدرته على تحطيمها في العصر المكي، ودليل ذلك ما رواه علي - رضي الله عنه - قال:"انطلقت أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أتينا الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجلس، وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفًا، فنزل وجلس نبي الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إليّ أني لو شئت نلت أفق السماء، حتى صدعت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم"اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقنا أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس" (16) .

فهذا الحديث يبين أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد حطّم صنمًا وهو في العصر المكي، وبالتالي فليس شرطًا في تغيير المنكر باليد أن يكون المسلمون في حالة تمكين، وقد أمرنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمرًا عامًا بتغيير ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت