كان الدعاء، كما قال ابن القيم - يرحمه الله:"وإنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين" (7) . ويدل على ذلك ماله أبو هريرة في تتمة الحديث السابق:"وأصبح ذات يوم فلم يدع عليهم، فذكرت له فقال:"أوما تراهم قد قدموا" (8) ."
وعلى المستوى نفسه نقول: إنه لا يصح الإعراض عن روايات السيرة الصحيحة بحجة أنها لا توافق المقاصد العامة للشريعة بزعمهم، كما فعل الشيخ محمد العزالي حين اعتمد هذا المنهج في كتابه المسمى:"فقه السيرة"- أيضًا -، فقد ذكر في أول كتابه هذا: أنه رفض رواية أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أغار على بني المصطلق وهم غارون، وقال في ذلك:"لا أرى أن يلزمني أحد بقبول ما رواه الشيخان من عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع - يرحمه الله - أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار - عليه الصلاة والسلام - على بني المصطلق وهم غارون، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية. قال حدثني عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش" (9) .
وقال في بيان منهجه هذا". . . فقبلت الأثر الذي يستقيم متنه مع ما صحّ من قواعد وأحكام، وإن وهي سنده، وأعرضت عن أحاديث أخرى توصف بالصحة لأنها في فهمي لدين الله وسياسة الدعوة لم تنسجم مع السياق العام" (10) .
ولا شك أن هذا منهج باطل في دراسة الحديث والسيرة، وحاشاه، صلى الله عليه وسلم، أن يقول قولًا أو يفعل فعلًا يُخالف مقاصد الشريعة، ولكن الخطأ إنما يأتي من الفهم القاصر، وتحكيم العقول في نصوص الشرع الحنيف قبولًا وردًا، فإن كونه، صلى الله عليه وسلم، أغار على بني المصطلق وهم غارون، فهذا ثابت لاشك فيه (11) . القول بأن مباغتتهم بالإغارة دون إعلان سابق مخالف للنصوص العامة القاضية بوجوب الدعوة قبل القتال، هذا القول غير صحيح، لأن وجوب الدعوة قبل القتال إنما هو في حق من لم تبلغه الدعوة، أما من بلغته فيجوز قتاله من غير دعوة، قال الصنعاني في شرح حديث عائشة والذي فيه:
"وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فأقبل منهم وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام. ." (12) الحديث. قال:"ودلّ على أنه يدعو أمير المشركين إلى الإسلام قبل قتالهم، وظاهره وإن كان قد بلغتهم الدعوة، لكن مع بلوغها يحمل على الاستحباب كما دلّ له إغارته، صلى الله عليه وسلم، على بني المصطلق وهم غارون" (13) أهـ. وبذا يجمع بين النصوص، ولا يضرب بعضها ببعض هذا بالنسبة للجزء الخاص برده أحاديث صحيحة لم تنسجم - بزعمه - مع السياق العام. وأما بالنسبة للجزء الخاص باعتماده أحاديث وَهِيَ سندها ولكن استقام متنها - على حدّ قوله - فقد بينا خطأ ذلك في السطور السابقة.
ثالثًا:
ومن ذلك يجب التفطن لقضية المرحلية في سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، أو ما يدخل في معنى النسخ في اصطلاح الأصوليين، فإن البعض يتوقف عند مرحلة معينة من مراحل السيرة ليستدلّ منها على حكم يفتي به في عصرنا، مستغلا تشابهًا بين ظروفنا وبين تلك المرحلة.
ومن ذلك: ما يردّده البعض من دعم جواز الاشتغال بالعمل الجهادي في هذه الأيام، بدعوى أننا في عصر استضعاف، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في العصر المكي (عصر الاستضعاف) لم يكن جهاده إلا بالقول والبيان، وأما الجهاد بالسلاح فلم يبدأ إلا بعد قيام الدولة ومجيء عصر التمكين!!