الصفحة 43 من 58

وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" (2) ."

هذا، وإن في تهنئة الكفار بأعيادهم الشركية نوع من مودة وموالاة لهم، وقد نهانا الله عن ذلك، فقال: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوَادّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. [المجادلة، الآية: 22] .

وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . [المائدة، الآية: 51] .

ومن أجل ذلك نقول: إنه ينبغي على من أقدم على عمل في مجال الدعوة إلى الله أن يتأكد من موافقته للشرع، ولا يجوز أن يقدم أحكام التجارب البشرية، والتصورات الإنسانية على كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا:

يمكننا القول: إن الاستدلال بالسيرة النبوية ما هو إلا استدلال بالسنة النبوية في الجانب العملي منها، فإن علماء الأصول لما حدّدوا لنا مصادر الأحكام الشرعية، ذكروا لنا القرآن والسنة والإجماع. . . إلى آخر تلك المصادر، وما وجدناهم يذكرون السيرة مصدرًا للأحكام، وما ذاك إلا لعلمهم أن سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، هي سنته، وعلى ذلك ينبغي على من أراد استنباط الأحكام الشرعية من كتب السيرة أن يفعل ما يفعله لو كان يستدل بحديث من كتب السنة. . عليه أن يتأكد من صحة الحديث، وأن يجمع ما ورد في الموضوع من أحاديث، وربما يحتاج الأمر إلى جمع بين روايات ظاهرها التعارض، أو يحتاج إلى بيان ناسخ ومنسوخ، خصوصًا وأن غالبية السيرة لم تسلم من الروايات الضعيفة والواهية.

وهكذا فإنه لا يليق بباحث منصف أن يأخذ رواية قرأها في بعض كتب السيرة دون تمحيص ولا تدقيق؛ ليستنبط منها حكمًا شرعيًا، وكان الأولى به أن يُثبت صحة الرواية على حد قول القائل:"أثبت العرش ثم انقش".

ومن أمثلة ذلك ما ذكره صاحب فقه السيرة عند الحديث عن عزوة حنين:"من أن بعض الصحابة قالوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال:"اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم" (3) واستنتج من ذلك أن دعاء المسلمين لغيرهم لا ينبغي أن يكون إلا بالدعاء لهم بالهداية والإصلاح، حيث قال:"ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغي أن يتجه إلى غيرهم إلا بالهداية والإصلاح، لأن هذه الغاية هي الحكمة من مشروعية الجهاد" (4) ."

والحقيقة أن الرواية التي استند إليها الكاتب ضعيفة، كما ذكر الشيخ الألباني - رحمه الله - وعلتها عنعنة أبي الزبير عند الترمذي، ورواه أحمد بسند منقطع (5) ، ثم نقول: كيف يسوغ لنا أن نقول: إن دعاء السلمين على غيرهم لا ينبغي أن يتجه إلا بالهداية والإصلاح، وقد ثبت أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، دعا في قنوته على رعل وذكوان لقتلهم القراء من صحابته؟ وكان من قوله في ذلك:"اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" (6) .

وأما ترك الدعاء عليهم بعد ذلك، فليس لنسخ الدعاء على الكافرين، بل لانتهاء السبب الذي من أجله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت