الصفحة 27 من 58

ها هي ذكرى الهجرة النبوية العطرة تمر علينا في هذه الأيام بأحداثها العظيمة وبمعانيها السامية ودروسها الفريدة.

تلكم الدروس التي كانت وستبقى نبراسًا ومُثلا عليا لمن أراد الوصول إلى السعادة الحقيقية حيث النعيم المقيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

كما أنها تجسيد عملي لحقائق هذا الدين القويم ومعانيه، ففيها حقيقة الأخذ بأسباب التمكين وإعداد الأرض التي تحمل عبء نشر الدعوة، فكانت دعوة أهل المدينة ببيعتي العقبة الأولى والثانية.

وفيها التأني والائتمار بأمر الله وعدم التعجل حتى يأتي الأمر.

وفيها الأخذ بأسباب النجاة حيث التخفي عن عيون الكافرين المتربصين.

وفيها معاني التضحية بالنفس والنفيس في سبيل نجاح الدعوة ونشرها، والحرص على القائد والموجه والمربي، فها هو أبو بكر وها هو علي وها هي أسماء رضي الله عنهم.

وفيها معاني الثبات واليقين بوعد الله ونصره ونصر دينه"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، {لا تحزن إن الله معنا} .

وها هي معاني الأخوة وتصفية النفوس وتوحيد الصفوف وتربية الرعيل الأول على الموالاة الإيمانية التي بها تتحقق الشوكة.

والتي تظهر بها مكارم الأخلاق من المودة والإيثار والتراحم.

"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"،"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"،"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا"،"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

إن هذه هي الهجرة التي تمر بذكراها علينا، ليس مقصورة على هذه المعاني السامية فقط، بل هي إشارة ودلالة على الهجرة الحقيقية، هجرة القلب والنفس إلى الله ورسوله، هجرة إلى الله بترك ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه،"والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

وهي حقيقة من حقائق الإيمان، ولهذا يقرن الله سبحانه في غير موضع بين الإيمان والهجرة، وذلك لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر.

وهذه الهجرة هي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر، وهي مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت