إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
لا يشك مسلم في وجوب الاقتداء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكيف يشك وعنده كتاب الله - عز وجل - ينطق بذلك قائلًا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} .؟!!
وإذا كان الإمام مالك - يرحمه الله - يقول:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". فإن الدعاة إلى الله - عز وجل - العاملين لهذا الدين هم أكثر احتياجًا إلى تطبيق هذه القاعدة، وكيف يتأتي لهم أن يقيموا شريعة الله، وأن يعيدوا خلافة المسلمين دون أن يسلكوا طريق النبي، صلى الله عليه وسلم؟!!
ومن أجل هذا شرع بعض العاملين لهذا الدين في محاولة تلمس منهج للعمل الإسلامي، من خلال سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان هذا في جملته اتجاهًا طيبًا، إذا كان هدفه تحقيق ما أسلفنا الإشارة إليه من وجوب الاقتداء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، غير أننا رأينا في بعض هذه الكتابات تعسفًا في فهم بعض مواقف السيرة، وتحميلًا لها ما لا تحتمل، فهناك ضوابط ومحاذير، ينبغي لمن أراد التصدي لهذا الأمر أن يتنبه إليها، وقد رأينا أن يتضمنها هذا الموضوع لعل الله ينفع بها من يشاء من عباده، فنقول وبالله التوفيق:
أولًا:
أول ما نُلفت النظر إليه هو أن قضايا الدعوة إلى الله ما هي إلا جزء من القضايا الشرعية التي يرجع في فهمها إلى كتاب الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وليست شيئًا مبتورًا عن شرائع الدين، وذلك لأن بعض من يتصدى لهذا الشأن يُخيّل إليه أن أمور الدعوة قد تخضع في جانب منها لنتائج التجارب البشرية، التي قد تعارض أحيانًا نصوصًا شرعية قطعية، ثم يعمد هؤلاء إلى بعض مواقف السيرة فيحملونها ما لا تحتمل؛ لتتوافق مع ما ظنوه صحيحًا بحكم التجربة البشرية.
ومن أمثلة ذلك أن بعض الدعاة - يغفر الله لنا ولهم - تعودوا زيارة النصارى في كنائسهم يوم عيدهم، مهنئين إياهم بحلول عيدهم هذا، وقد رأى هؤلاء - بناء على تجاربهم - أن هذا الصنيع يُضفي على دعوتهم قبولًا عند بعض الناس، فيقولون عنهم: إنهم ليسوا متطرفين بل هم دعاة معتدلون، وحين أنكرنا عليهم ذلك لجأ بعضهم إلى السيرة يستدل ببعض مواقفها على صحة ما ذهبوا إليه، فقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد سمح لوفد نصارى نجران أن يؤدوا صلاتهم في مسجده، صلى الله صلى وسلم:
والحقيقة أن هذا النص في غير موضع النزاع، فإن النزاع ليس في إدخالهم المسجد وتركهم يصلون فيه (1) ، إنما النزاع في دخولنا الكنيسة، بغرض تهنئتهم بأعيادهم مما أجمع المسلمون على حرمته، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - يرحمه الله:"وأنا التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقوا: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه."