الصفحة 46 من 58

نراه من المنكرات فقال:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (17) . فالأمر مرهون إذن بالاستطاعة وليس بقيام الدولة أو عدمه.

ولو قال هذا القائل: إن تغيير المنكر واجب على المسلمين في كل حين، ولكن يحرم التغيير إن أدى إلى منكر أكبر، لكان قوله مقبولًا، وقد قال ابن تيمية بذلك، وضرب لذلك مثلًا فقال:"ومن هذا الباب ترك النبي، صلى الله عليه وسلم، لعبد الله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقتل أصحابه" (18) . ولكن يجب أن يعلم أن قياس المصالح والمفاسد إنما يكون بمقياس الشرع، لا بمقياس العقول والأهواء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك:"لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر" (19) .

وإنما نبهت على ذلك لأن الكثيرين يخطئون في قياس المصلحة والمفسدة، ومنهم من يظن الإيذاء الذي قد يلحق بمن يُغيّر المنكر، يظنّه مفسدة توجب التوقف عن التغيير، وليس ذلك صحيح، فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال:"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (20) . فجعل الذي يموت بسبب كلمة حق يقولها، إنكارًا لمنكر، شهيدًا بل هو سيد الشهداء.

رابعًا:

هناك أمور حدثت في حياته، صلى الله عليه وسلم، قدرًا، ولم تكن تشريعًا للأمة، فلا يصح أن يتخذ منها حكمًا شرعيًا عامًا، ومثال ذلك ما قرأته لأحدهم في رسالة غير منشورة: من أننا نستفيد من كون النبي، صلى الله عليه وسلم، بُعث في سن الأربعين أنه لا يصح إسناد القيادة العامة للدعوة بأي حال من الأحوال لمن هو دون سن الأربعين!! وإذا تجاوزنا تعبير"القيادة العامة للدعوة"الذي لا نجد له أصلًا في كتب السلف، فإننا نقول: إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بُعث في سن الأربعين، وقد قال ابن القيم - يرحمه الله:"بعثه الله على رأس أربعين سنة، وهي رأس الكمال، قيل: ولها تبعث الرسل، وأما ما يُذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه" (21) ، ومعلوم أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما أنه كان من مهامه الدعوة، فكذلك كان من مهامه قيادة جيش المسلمين، وكان من مهامه رئاسة الأمة الإسلامية، فهل يشترط في قيادة الجيش ورئاسة الأمة سم الأربعين؟ إن قلت: نعم، فقد خالفت النصوص وفعل السلف، فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، اختار أسامة بن زيد قائدًا للجيش، ولم يكن عمره قد تجاوز السابعة عشرة، وإن المسلمين اختاروا عمر بن عبد العزيز خليفة لهم، وهو دون الأربعين، ولم يُنكر خلافته أحد من التابعين في عصره، ولا من بعدهم من الفقهاء، بل أعدّه المسلمون خامس الخلفاء الراشدين، وإن قلت: لا أشترط ذلك في قيادة جيش المسلمين ورئاسة الجيش! فنسألك، لِكمَ فرقت بين أمر الدعوة وبين هذين الأمرين؟! فتفريقك هذا تحكم لا دليل عليه، والحاصل أن سن الأربعين هذا هو شيء قدري مخصوص بأمر الوحي والنبوة، فلا يقاس عليها أمر الدعوة أو غيرها.

وبعد، فهذه بعض المزالق التي قد يقع فيها من يحاول استنباط أحكام الدعوة من السيرة النبوية، أحيانًا يجرّه إلى تلك المزالق الجهل، وفي أحيان أخرى يجرّه اتباع الهوى، أو التعصب لجماعة أو مذهب، نسأل الله السلامة من تلك المزالق. ونستغفر الله من قبل ومن بعد. والله أعلم بالصواب.

[من اوراق مجلة المرابطون / بيشاور]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت