الصفحة 36 من 58

أخذ ما نتج عن هذا المنكر حتى يوحى إليه في شأنه، فوقف العير والأسيرين وأبى يأخذ من ذلك شيئًا [[1] ].

وأما المسلمون؛ فكانوا فريقين، فمن كان في المدينة فقد عنَّفَ السرية فيما صنعوا، وأما من كانوا في مكة فقد تأولوا لإخوانهم والتمسوا لهم عذرًا، فردوا على المشركين طعنهم فقالوا: (إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان) [[2] ].

وأما كفار قريش؛ فقالوا: (قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال) [[3] ].

وثمت طرف أقحم نفسه في تلك القضية حقدًا وشماتةً، وهم اليهود، فقالت - تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو؛ عمرت الحرب، والحضرمي؛ حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله؛ وقدت الحرب) .

وعمومًا فقد كان موقف الناس؛ بين متأول وشامت ومنكر، ولكن شتان بين إنكار المسلمين وإنكار الكافرين، فإنكار المسلمين كان بدافع الغضب لدين الله مع وجود روابط الإخوة والشفقة، على حين أن إنكار الكافرين كان منشؤه العداوة والغيظ والحقد، وبدافع الشماتة وتصيد الأخطاء، وإلا فكفار قريش أولى بالإنكار الشنيع لأنهم يرتكبون ما أنكروه بل أشد وأفظع.

فلذلك أنزل الله سبحانه وتعالى القول الفصل العدل في هذه القضية فقال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ... الآية} .

"يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرًا فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله والصد عن سبيله، وعن بيته وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به، أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام" [[4] ].

(1) المرجع السابق.

(2) المرجع السابق.

(3) المرجع السابق.

(4) زاد المعاد: 1/ 478، تحقيق عبد الرزاق المهدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت