الصفحة 35 من 58

فما أظلم من يغض الطرف عن حسنات المجاهدين وعظيم بلائهم، وينبزهم بأشنع الألقاب، ولا ينتهي خطله إلى هذا الحد، بل يحكم ببطلان أعمالهم وبخسار سعيهم، وبأن دماءهم ذهبت هباءً منثورًا، بل إن بعضهم يفوه بأشنع من هذا فيحكم على من يقوم بالعمليات الاستشهادية - والتي هي من أرفع مراتب التضحية والجهاد - يحكم بأن فعلهم انتحار وبأنهم من أصحاب النار، فما لكم كيف تحكمون؟! وتظلمون ولا تعدلون وتقنِّطون ولا ترجُّون! فلا هم يجاهدون ولا يريدون من أحد أن يجاهد، فجمعوا بين وصف القعود والتخذيل، وعند الله تجتمع الخصوم.

العدل في الأحكام:

تضمنت هذه السرية وما نزل فيها من آيات؛ موازين جليلة في كيفية التعامل مع الخطأ، إذ أن الإنسان بطبعه خطاء، فإذا جهل الإنسان كيفية علاج خطأ ما فسيرتكب خطأ آخر ربما يكون أشنع من خطأ الأول، فيكون كمن أراد أن يكحل عينه فأعماها، وزاد الطين بلة!

وقبل أن نستجلي بعض تلك الموازين لابد أن نشير إلى الخطأ الذي أصابته تلك السرية، ثم نبين موقف الناس منه على اختلاف فئاتهم، ثم نذكر حكم الله عز وجل وفصله في تلك الواقعة.

الخطأ؛ كان في قتال الكفار في الأشهر الحرم، وكان القتال محرمًا في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الحكم فجاز القتال في كل الشهور، كما هو مذهب جماهير العلماء، وهو الصحيح [[1] ].

وقد اختلف الناس في موقفهم من هذا الخطأ من حيث الصيغة والدافع؛

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أنكر ما فعلوه وقال: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام) [[2] ]، وفي هذا تبرئة لنفسه الكريمة من أن يكون قد أمرهم بمنكر، وتوقف في

(1) انظر تفسير الطبري والقرطبي لقوله تعالى: {ويَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ... الآية} .

(2) البداية والنهاية: 3/ 261.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت