وفيه؛ أن الحفاظ على المسلم أو استنقاذه مقدم على أخذ المال، فالمسلم لا يقدر بثمن، وسلامته مقدمة على كل مال.
وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم سبيلين لضمان سلامة صاحبيه سعد وعتبة:
السبيل الأول؛ الامتناع عن قبول الفداء حتى يقدما.
السبيل الثاني؛ التهديد بقتل الأسيرين إذا مسهما المكروه.
فيجب على المسلمين أن يبذلوا كل سبيل مشروع لضمان سلامة المسلمين، واستنقاذ أسراهم، فالمسلم لا يجوز أن يُسَلَّم بأي حال إلى الكفار ليعبثوا به بأنواع الأذى وألوان الفتنة، حتى لو أن مسلمًا أخطأ في حق كافر - كما لو قتل كافرًا ذميًا - فلا يقتص منه لأنه لا يقتل مسلم بكافر، لأن الكافر لا يكافئ المسلم، فهم كالأنعام بل هم أضل.
فتخلية الكافر ليبطش بمسلم لأنه أخطأ في حقه - جدلًا - جريمة فظيعة، أما إذا صدرت فتاوى بشرعية ذلك البطش ووجوب تسليم المسلمين للعدالة الدولية - زعموا - فتلك موالاة للكافرين صريحة، وتلك - والله - هي الفضيحة!
رجاء المؤمنين:
قال ابن إسحاق: (فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن؛ طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فوصفهم الله من ذلك على أعظم الرجاء) [[1] ].
لقد أسبغ الله عز وجل على تلك السرية وصف الإيمان والهجرة والجهاد، ورجَّاهم الله برحمته على رغم الهفوة التي جنوها، ففي هذا دلالة واضحة على أن المجاهد الذي عرف صدقه ونصيحته، وبذله لدين الله عز وجل يستحق وصف الجهاد وإن بدر منه بعض العثرات التي قد تصدر أحيانًا عن حسن نية، ولا يسلب عنه ذلك الوصف ما دام يسدد ويقارب، ولا يُقَنَّط من رحمة الله بل يُرجَّى، فقد يكبو الجواد فيبقى جوادًا، وقد ينبو السيف فيبقى اسمه سيفًا.
(1) البداية والنهاية: 3/ 262، وفي ابن هشام عبارة: (فوضعهم الله من ذلك) ، بدل قوله: (فوصفهم الله من ذلك) .