فإن النفس البشرية تبدع إبداعًا كبيرًا في الأمر الذي ينبعث من دافع ذاتي، ويستمر عطاؤها في ذلك الأمر، على حين أن النفس يقل نتاجها إذا أحست بمؤثر الجبر والإكراه، وربما عصت ابتداءً وأعرضت، وغالبًا ما تتخلى عن العمل المكلفة به إذا شعرت بغياب عصا الإجبار.
والملاحظ؛ أن التركيز على هذا العامل كان في أول الأمر كبيرًا، فالدولة الإسلامية إذ ذاك كانت في مهدها وطراوة عودها، ففي مثل تلك الأحوال عند ضعف المسلمين وعدم تمكن سلطانهم؛ ينبغي للأمير أن يكون حكيمًا في سياسة أتباعه، فلا يشعرهم أنهم مجبورون فيما يأمرهم به ولا يتهددهم ويتوعدهم بأنواع العقوبات حتى لا تعلن نفوسهم بالتفلت والعصيان وليس في الحقيقة ثمت سلطان.
والسلطان كالقميص للإنسان فلا يلبس قميصًا أكبر من حجمه حتى لا يتعثر بطرفه فينكب على وجهه، وينكسر أنفه، وتتعرقل مسيرته.
ولا نعني بما نقول؛ أن المسلم لا يطيع أميره إلا فيما يجب، فهذه صفة المنافقين لا صفة المؤمنين الذين يطيعون في المنشط والمكره، بل مقصدنا أن يكون تركيز الأمير على إشعال المحرك الذاتي كبيرًا ليضمن جودة العطاء واستمراره.
ويستطيع الأمير بأساليب كثيرة أن يحرك نفوس أصحابه إلى العمل، وأفضل هذه الأساليب القدوة الحسنة، بأن يتصدر الأمير بنفسه ما يأمر به.
نفاسة المسلم:
بعد أسر رجلين من قريش في تلك السرية بعثت قريش في فدائهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نفديكموهما حتى يقدم صاحباي - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإني أخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم) ، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم [[1] ].
في هذا دلالة على جواز أخذ الفداء من الأسير الكافر - سواء كان الفداء مالًا أم غيره - كما تضافرت بذلك الأدلة.
(1) البداية والنهاية: 3/ 262.