الصفحة 31 من 58

ولهذا نجد أعداءنا يحاولون أن يعزلوا الأمة عن كل قضية تلهب صدورها، ويجتهدون في أن يوهموا الأمة أن قضية العداوة محصورة بينهم وبين طائفة يسيرة من الأمة - كالقاعدة والطالبان - وتلك دسيسة ينبغي التنبه لها وفضحها ونشر ما يضادها.

ولعل من الحكم في الاعتماد على المهاجرين في تلك المرحلة؛ تحريض الأنصار على الجهاد، وإثبات المصداقية في التفاني من أجل هذا الدين، فإن النفس البشرية يعتريها من الهواجس والخواطر ما يؤثر فيها تأثيرًا سلبيًا بالغًا، فإن المدينة مدينة الأنصار، والمهاجرون نزلوا في جوارهم، وقضية القتال مع قريش - خاصة - أكثر مساسًا بالمهاجرين والنفوس.

في مثل تلك الأحوال قد لا تتحمس لاستيفاء حقوق الأقوام الآخرين، وتضن بدمائها أن تهدر في سبيلهم، وربما يؤدي تقديم الأنصار في مثل تلك الأحوال إلى إيقاع الشكوك في نوايا المهاجرين، ويؤدي إلى زعزعة الثقة بهم مع ما يثيره المنافقون في هذا المضمار من الشبهات، وكون إسلام الأنصار حديثًا، فكان من الحكمة أن يتقدم المهاجرون ليزيلوا تلك الهواجس من الصدور ويقطعوا دابرها، وليوقدوا جذوة الجهاد في قلوب الأنصار شيئًا فشيئًا حتى تصير القضية قضيتهم، وحتى تصبح القضية قضية الدين، لا قضية المهاجرين فحسب.

السِّرِّية في العمل:

يستفاد من كتابة النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا لعبد الله بن جحش رضي الله عنه وأمره له ألا ينظر فيه حتى يسير يومين؛ يستفاد منه العمل بمبدأ السرية والاحتياط.

إن السرية من أنجح الأساليب في حسم نتائج الحروب، وكم من كتوم فيما يروم حالفه النجاح، وكم من متهاون في كتم الأسرار آب بالخيبة والبوار.

وليس الأخذ بسلاح السِّرِّية ضربا من الجبن والوهن كما يتوهم بعض من قصر باعه في التجارب، بل هو عين الحكمة والقوة، وأحد الأساليب الداخلة تحت باب الخدعة وحسن التدبير.

ولم يزل الموفقون يستعملونه في إنجاح مساعيهم، كما أخبر سبحانه عن موسى وابنتها في إخفاء موسى عليه السلام، وكما ذكر سبحانه عن أصحاب الكهف تخفيهم، وأمرهم بذلك من بعثوه بقولهم: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} ، وغير ذلك مما يطفح به الكتاب والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت