الصفحة 30 من 58

وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ما فعلوه، واشتد تعنت قريش وإنكارهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالًا، فقالوا: (قد أحل محمد الشهر الحرام) ، واشتد على المسلمين ذلك حتى أنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ... الآية} " [[1] ]."

دور المهاجرين:

المتفحص في طبيعة السرايا في مهد الدولة الإسلامية يجد أن أكثر عبئها وقع على كاهل المهاجرين، إن لم يكن كله، ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أسند هذه المهمة ابتداءً للمهاجرين لسياسة حكيمة ومصلحة عظيمة.

ولعل من تلك الحكم؛ أن الأنصار حينما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة قالوا: (يارسول الله إنَّا برآؤا من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا) ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وهذا الذي جعله يكرر في غزوة بدر قوله: (أشيروا عليَّ أيها الناس) ، يريد بذلك الأنصار [[2] ].

ولعل من تلك الحكم أيضًا أن قضية القتال مع قريش - خصوصًا - كانت تمس المهاجرين مساسًا مباشرًا، وكان الغيظ على كفار قريش يعتمل في صدورهم، فهم الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وآذوهم أشد الإيذاء، فكان من الحكمة أن يتصدر هذه القضية أهلها الذين تهيأت في نفوسهم مفاتيح الصراع، وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... الآية} .

ولذلك قالت بنو إسرائيل لما سألهم نبيهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} .

فمن أعظم مفاتيح الصراع التي تهيج إرادة القتال؛ هو الظلم الواقع على الإنسان، فينبغي لطالب الظفر أن يستعمله في حربه، وأن يحسن استغلاله.

(1) زاد المعاد: ص354، دار الكتب العلمية.

(2) البداية والنهاية: 3/ 274، دار الكتب العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت