9)يراعى جانب من بدرت منه بادرة طيبة وموقف حسن من الدعوة؛ فإن مثل هذا غالبًا مهيأ في مستقبل الأيام ليكون له شأن آخر ومواقف مباركة، فلا بد أن يشجع ويشكر على مواقفه تلك لعله يكون رصيدًا لمستقبل الدعوة.
ثالثًا: الحصار الحديث:
أخي القارئ الكريم: لعلك قد أدركت من خلال هذا العرض السريع لحدث تاريخي هام من أحداث السيرة النبويةالعطرة وما تخلل ذلك من الدروس والعبر أن الأمة الإسلامية في الوقت الراهن تعاني أربعة أنواع من الحصار:
النوع الأول: الحصار المادي لبعض الشعوب الإسلامية المنكوبة وهو أسلوب وإن استنكرته الجاهلية الأولى فإن من يفرضونه في جاهلية اليوم ممن يسمون بالدول الكبرى يفتقدون بعض الخصائص التي كان يتميز بها أسلافهم من المشركين مثل المروءة والشهامة والحياء، ويفتقد كبراؤهم بعض المبادئ الإنسانية الأولية التي يمكن أن ينبثق عنها العطف والرحمة لهذه الشعوب، ولقد بلغت بهم الكبرياء والغطرسة مثل الذي كان بفرعون من الطغيان وإن لم يقولوا بألسنتهم ما قاله الأول بلسانه: (( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ) [النازعات: 24] (( مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) ) [غافر: 29] إلا أن لسان الحال شاهد على ذلك بما لا يقبل الشك، ومكرهم أصبح مكشوفًا، ونحن نؤمن بقول الله تعالى: (( ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ ) ). [فاطر: 43] .
النوع الثاني: الحصار المعنوي للشعوب المسلمة وذلك(بإغراق الناس في الشهوات بالإعلام الماجن الذي يشيع الفواحش وينشر الرذيلة على أمل أن ينجرف أكثر الشباب في تيار
الإباحية والفجور فلا ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين) (12) .
النوع الثالث: الحصار المادي للدعاة والعلماء؛ وهذا وإن كان مما يؤلم القلوب المؤمنة إلا أن له فوائد عظيمة وآثارًا بعيدة المدى في صقل نفوس الدعاة المأسورين فإذا هي كالذهب الخالص.
قال الله تعالى: (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) ) [الرعد: 17] .
النوع الرابع: الحصار الفكري للدعاة وذلك بصد الجماهير عنهم من خلال وصفهم بالألقاب المنفرة كالتطرف والإرهاب وغيرها، وذلك بواسطة الإعلام الذي يخدر الشعوب ويقلب الحقائق ويفرق بين القلوب؛ فهو السحر الحديث الذي أفرزه الفكر الغربي، وهو المصيدة التي يمكن أن تؤدي الدور بالوجه المطلوب بعد أن ترفع راية الإرهاب وتلوِّح بها وتنادي الجميع للمشاركة في زوبعتها ليجعلوها دعوى يطعنون من خلالها في الدعوة الإسلامية، ومعولًا يضربون به حصونها، وسيفًا مصلتًا على رقاب الدعاة والمخلصين، وتهمة جاهزة تطرح على المجاهدين الصادقين.
إن هذا المصطلح أعني الإرهاب مصطلح مناسب لمثل هذا الحصار الدعوي بغضِّ النظر عن مكان منشئه وسببه. إنه مصطلح مخيف يهز قلوب الجبناء ويسيطر على أفئدة ضعفاء العقول؛ لأنه لفظ يوحي بالنفرة والوحشية لسامعه ومن خلال وصم الدعاة بهذا اللقب يمكن الطعن في الجهاد الإسلامي والتشكيك في حكمته.
ويهتبل الإعلام الكاذب والمزور للحقائق فرصة كل حركة نشاز وكل حادث شاذ يقع من بعض الجهلة أو