الصحيفة كما أسلفنا.
وفي المقابل فإن عدو الله أبا جهل كان أول من سعى في كتابة الصحيفة وكان يمنع وصول أي مدد إلى المحاصرين وكان من أكبر المعارضين لنقض هذه الصحيفة ..
ثم تأمل في أولئك النفر من قريش كيف كانوا كارهين لهذا الأمر؛ كلما ذهب هشام إلى واحد منهم وافقه على رأيه بسهولة ويسر ودون تردد، بل ربما لو أراد هؤلاء الخمسة أن يستزيدوا لوجدوا كثيرًا من الجماهير ممن نشؤوا على كره الظلم تتابعهم على ذلك، ولكنهم خافوا أن يفتضح أمرهم فيدخل معهم من لا يؤمن جانبه."والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا؛ تجد من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه" (7) .
5)إن رد الجميل لأصحابه ومكافأة المحسنين على إحسانهم خُلُق رفيع حث عليه الإسلام؛ وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من أتى إليكم معروفًا فكافئوه" (8) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مقدرًا لأصحاب المواقف مواقفهم الإيجابية في هذا الحدث الهام، وكان يكافئهم عليها. فأما عمه أبو طالب فقد قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عن عمك؛ فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضحضاح من نار؛ ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (9) .
وأما هشام بن عمرو فقد أسلم وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم معركة حنين دون المائة من الإبل (10) .
وأما أبو البختري فقد كان في صف المشركين يوم بدر فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، قال ابن هشام: (وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة) (11) وهذه مجرد أمثلة للاعتبار. وعلى الدعاة إلى الله عز وجل أن يعرفوا لأهل الفضل فضلهم، وأن يسجلوا لأصحاب المواقف الشريفة مواقفهم، وأن يجازوهم على الإحسان إحسانًا؛ فإن من الأفاضل من يذب عن أعراض الدعاة بلسانه وقلمه ويتصدى لأعداء الدعوة ويسد طريقهم، ومنهم من يتفانى في نصح الدعاة وطلبة العلم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ويدعمهم ويقف معهم؛ فهذه الجهود ينبغي أن تكون محل رضى وتقدير من جميع الدعاة (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) ) [الأحزاب: 21] .
6)يجب ألا يغفل الدعاة إلى الله عن الاهتمام برؤوس الناس وقادتهم الذين يؤثرون فيهم سلبًا وإيجابًا وحسن العلاقة معهم؛ فقد يتحقق على أيديهم نفع عظيم للدعوة ولو لم يكونوا على قدر من الاستقامة.
7)ينبغي ألا يعرض عن أهل الباطل بالكلية؛ فإن منهم أناسًا مأسورين إما بشهواتهم وأهوائهم أو بتأثير من شياطين الجن والإنس، وبعض هؤلاء قد لا يحتاجون إلى كبير جهد ليميزوا بين الحق والباطل فيتبعون الحق ويعز الله بهم الدين.
8)من الحكمة اتخاذ الأسلوب الحكيم والحجة البالغة في الحوار واهتبال الوقت المناسب له ليؤدي نتيجة مثمرة؛ فإن الرهط الذين سعى إليهم هشام ليتفق معهم على نقض الصحيفة لم يعترض منهم أحد؛ ولعله قد اختار الأشخاص المناسبين لهذا الحدث حسب معرفته بالرجال ومواقفهم السابقة من الدعوة وحسب تقديره لما يتطلبه الموقف.