طبيعة الدعوة ومخططات أعدائها؛ وخصوصًا في مثل هذا العصر المشحون بالفتن والمغريات، ومع ذلك فإن هناك للأسف الشديد من لا يكتفي بعدم القناعة بهذا؛ بل يشكك فيه ويحاربه، ولعل مثل هذا يستفيد من الحكمة والتخطيط عند هؤلاء النفر ولعله يستفيد من موقف زهير بن أبي أمية مع قومه وكيف اختار هيئة مناسبة وقدم للأمر بالطواف، وتكلم كلامًا موجزًا قويًا يفي بالغرض لهذا العمل الفدائي إن صح التعبير في ذلك الوسط المشحون بالعداوة والموبوء بحب الانتقام والسيطرة .. ولينظر كيف تم التشاور الثنائي في كل مرحلة حتى أحكمت الأدوار وتم التنسيق للعرض والمواجهة، وأخذت العدة واختير الزمان والمكان المناسبين لعقد هذا الاتفاق، ثم مُثِّل هذا الدور على
أحسن صورة فكانت كلمات القوم تنطلق من وسط الصفوف يؤيد بعضهم بعضًا بطريقة لم يجد أمامها الملأ إلا التسليم ... فهل في هذا العمل الإنساني النبيل من بأس، وهو يحقق مصلحة عامة؟ ألا فليتأمل هؤلاء ويقيسوا إن كان للقياس عندهم اعتبار بدلًا من أن يجعلوا التخطيط والتنظيم في أمور الدعوة محل اتهام، ويرونه جائزًا للكفار ومحرمًا على المسلمين. ألا فاستلهموا رشدكم واعرفوا قدر عدوكم (( ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ) ) [النساء: 104] .
3)إن أصحاب النفوذ والقوة كلماتهم مسموعة وأمرهم مطاع في غالب الأحيان؛ ولكن الذي يؤسف له هو عدم الروية والتفكر فيما يأمرون به وينهون عنه؛ فهؤلاء النفر الذين سعوا في
نقض الصحيفة كانوا ولا شك على علم بها منذ بداية أمرها فوافقوا عليها حينئذ مكرهين إكراهًا معنويًا حتى لا يشذوا عن الصف ويكونوا محل اتهام من أصحاب القرار؛ ولكنهم فيما بعد فعلوا الذي فعلوا، بل وبينوا أنهم لم يكونوا راضين عن هذه الصحيفة عند كتابتها، ولم يستشرهم فيها أحد، بل تشاور فيها الملأ ولم يستأذنوا فيها العامة، ولهذا أدرك هؤلاء الرهط أن هذه السابقة تنبئ عن خطر عظيم تكنه نفوس القوم الذين سعوا في كتابة هذه الصحيفة؛ فلذلك قال هشام بن عمرو للمطعم بن عدي: (أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنها إليها منكم سراعًا) وأدركوا أيضًا أن هؤلاء الملأ لم ينفذوا هذا القرار إلا لرغبتهم الشخصية وليس فيه أي مراعاة للمصلحة العامة؛ ولذلك قال صاحب المبادرة هشام بن عمرو لزهير: (أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا) وهذه سياسة أصحاب المطامع؛ فهم في كل زمان يكيلون بمكيالين شأنهم شأن من قال الله فيهم: (( الَذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ونَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ ) ) [النساء: 141] .
4)لا شك أن موقف أهل الباطل من الدعوة ليس بدرجة واحدة؛ بل يتفاوت تفاوتًا كبيرًا، وكذلك ينبغي أن يكون موقف أهل الحق منهم؛ لأن منهم من يتعاطف مع الدعوة ويقف بجانبها حتى وإن كان مقيمًا على فسقه وفجوره، ومنهم من يكرهها ويحقد على أهلها بكل حال وإن كانوا مظلومين استكبارًا منه وعدوانًا، ومنهم أناس بين ذلك (( ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ومَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) ) [الأنعام: 132] وفي قصة الشِّعب نجد لعمِّ النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب مواقف تستحق الذكر والإشادة وإن كان كافرًا؛ ففي بداية الأمر كان هو الذي (جمع بني عبد المطلب فأجمع لهم أمرهم على أن يُدخِلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه شعبهم، ويمنعوه ممن أراده، وذلك حينما أجمع المشركون من قريش على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فاجتمع بنو المطلب كافرهم ومسلمهم؛ منهم من فعله حمية وهم الكفار، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا وهم المسلمون؛ فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع المشركون من قريش وأجمعوا أمرهم على ما في الصحيفة) (5) كما كان في ليالي الشِّعب (يأخذ أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فيضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها حرصًا عليه ممن يريد به مكرًا أو غائلة) (6) ثم إنه أيضًا كان صاحب المحاولة الأولى في نقض