الحكم الشرعي في التدخين
فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه،
أما بعد فقد ظهر هذا النبات المعروف الذي يطلق عليه اسم"الدخان"او"التبغ"أو"التمباك"أو"التتن"، في آخر القرن العاشر الهجري، وبدأ استعماله يشيع بين الناس، مما أوجب على علماء ذلك العصرأن يتكلموا في بيان حكمه الشرعي. ونظرا لحداثته وعدم وجود حكم سابق فيه للفقهاء المجتهدين، ولا من لحقهم من أهل التخريج والترجيح في المذاهب، وعدم تصورهم لحقيقته ونتائجه تصورا كاملا، مبنيا على دراسة علمية صحيحة، اختلفوا فيه اختلافا بينا فمنهم من ذهب إلى حرمته، ومنهم من أفتى بكراهته، ومنهم من قال باباحته، ومنهم من توقف فيه وسكت عن البحث عنه (1) ، وكل أهل مذهب من المذاهب الأربعة- السنية- فيهم من حرمه، وفيهم من كرهه، وفيهم من أباحه. ولهذا لانستطيع أن ننسب إلى مذهب القول بإباحة أو تحريم أو كراهة.
ويبدو لي أن الخلاف بين علماء المذاهب عند ظهور الدخان، وشيوع
تعاطيه، واختلافهم في إصدار حكم شرعي في استعماله، ليس منشؤه في الغالب اختلاف الأدلة، بل الاختلاف في تحقيق المناط. فمنهم من أثبت للتدخين عدة منافع في زعمه. ومنهم من أثبت له مضار قليلة تقابلها منافع موازية لها. ومنهم من لم يثبت له أية منافع، ولكن نفى عنه الضرر وهكذا. ومعنى هذا أنهم لو تأكدوا من وجود الضرر في هذا الشيء لحرموه بلا جدال.
وهنا نقول: إن إثبات الضرر البدني أو نفيه في"الدخان"ومثله مما يتعاطى ليس من شأن علماء الفقه،. بل من شأن علماء الطب والتحليل. فهم الذين يسألون هنا، لأنهم أهل العلم والخبرة. قال تعالى:"فاسأل به خبيرا"وقال:"ولاينبئك مثل خبير".
أما علماء الطب والتحليل فقد قالوا كلمتهم في بيان آثار التدخين الضارة
على البدن بوجه عام، وعلى الرئتين والجهاز التنفسي بوجه خاص، وما يؤدي
إليه من الإصابة بسرطان الرئة مما جعل العالم كله في السنوات الأخيرة يتنادى بوجوب التحذير من التدخين.
وفي عصرنا ينبغي أن يتفق العلماء على الحكم وذلك أن حكم الفقيه هنا
يبنى على رأي الطبيب، فإذا قالت الطبيب إن هذه الافة- التدخين- ضارة بالإنسان فلابد أن يقول الفقيه هذه حرام، لأن كل مايضر بصحة الإنسان يجب أن يحرم شرعا.
على أن من أضرار التدخين مالايحتاج إثباته إلى طبيب اختصاصي ولا إلى
محلل كيماوي، حيث يتساوى في معرفته عموم الناس، من مثقفين وأميين.
أما ما يقوله بعض الناس: كيف تحرمون هذا النبات بلا نص؟ فالجواب أنه
ليس من الضروري أن ينص الشارع على كل فرد من المحرمات، وإنما هو يضع ضوابط أو قواعد تندرج تحتها جزئيات نخشى، وأفراد كثيرة. فإن القواعد يمكن حصرها. أما الأمور المفردة فلا يمكن حصرها.