فتأكيدنا الدائم على ضرورة وجوب"الجمع بين القراءتين"، واعتبار ذلك شرطًا مسبقًا للخروج من الأزمة الفكرية والمعرفية في مستوياتها العالمية والمحلية يحمل توكيدًا على وجوب الالتفات إلى ذلك الارتباط المنهجي بين القرآن والكون والإنسان: فالقرآن ضم قواعد"الوحي الإلهي"الذي جاء به المرسلون كافة. والكون مجال كلمات الله ومظهر إرادته ومشيئته. والإنسان مستخلف للاهتداء بالوحي في إعمار الكون. وبذلك تكتمل حلقات التصور الإنساني، وتظهر سائر مقوماته، وتبرز علاقة الغيب بالطبيعة والإنسان. ويتخلص الإنسان من مأساة الفصام بين اللاهوت والناسوت والملكوت أو بين الدنيا والآخرة، أو بين التنزيل الإلهي والفلسفات الوضعية البشرية، وما جره ويجره ذلك الفصام النكد من مشكلات.
إن هذه المهمة لا يستطيع النهوض بها إلا من أوتي القرآن وحظا من العلوم والمعارف كافيًا لاكتشاف ذلك التداخل المنهجي بين القرآن والكون والإنسان، ولذلك أرسيت قواعد"المنهج القرآني"على الدعائم التالية:
1.إعادة بناء الرؤية الإسلامية المعرفية القائمة على أركان العقيدة المحددة المحصورة كما جاء بها القرآن ومقومات وخصائص التصور الإسلامي السليم المنبثق عنها، ليتضح ما يمكن اعتباره"النظام المعرفي الإسلامي"القادر على الإجابة عن"الأسئلة الكلية النهائية"ومعالجة ما أسماه الفلاسفة المتقدمون"بالعقدة الكبرى"دون تجاوز شيء منها، وبناء قدرة ذاتية على النقد المعرفي الذي يمكن من الاستيعاب والتجاوز بشكل منهجي منضبط، في الوقت نفسه يعطي القدرة على التوليد المعرفي والمنهجي وبه يتحقق الإبداع. والتفسير المعرفي الذي لا يقوم على الإقناع والخطابة بل على المعرفة المنهجية التامة.
2.إعادة فحص وتشكيل وبناء قواعد المناهج الإسلامية في مجالاتها المختلفة، وذلك بعرضها على"المنهجية المعرفية القرآنية"وتعديلها بنورها وعلى هدى منها. فإن أضرارًا بالغة قد أصابت هذه المنهجية نتيجة القراءات المفردة والتجزيئيَّة التي جعلت القرآن عضين، وقرأت الوجود والإنسان في معزل عنه قديمًا وحديثًا. وليتمكن العقل المسلم من تجاوز تلك الأمراض الفكريَّة التي شلّت فاعليَّته