على نعمائه وعنايته، أغنانا به - جل شأنه - عمّا سواه. وكفانا به عمّا عداه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت: 51) .
فنسأله - تعالى - كما أنعم علينا بالقرآن العظيم، والرسول الكريم- صلى الله عليه وآله وسلم - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا وبصائرنا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، ويذكرنا منه ما نسينا، ويجعله حجة لنا، لا علينا، وقائدًا لنا إلى الجنًّة. إنّه سميع مجيب.
لقد أمر الله تعالى نبّيه - صلى الله عليه وآله وسلم - في مفتتح نزول القرآن وعند بدء الوحي بقراءتين. فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 96/ 1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {96/ 2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {96/ 3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {96/ 4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق: 1 - 5) . وبما أنّ القرآن ليس فيه تكرار ولا ترادف. ولا تحتاج آياته الكريمة إلى استعمال المؤكدات فإنَّ كل كلمة من كلماته - وإن بدت مرادفة أو مماثلة لأختها - فإنها تشتمل على معنى آخر إن لم تدل عليه بلفظها وبالاستعمال القرآني لها فإنّها تدل عليه في سياقها [1] وسباقها [2] وموقعها. وذلك من
(1) المراد"بالسياق": يعد"السياق"في القرآن هو المنتج للدلالة والموجه إلى المدلولات، ومع شدة عناية البلاغيين وكثرة حديثهم عنه غير أنهم لم يعرفوه تعريفًا جامعًا مانعًا، وكأنهم اعتبروه مما يدرك بدون تعريف، أو أنهم اكتفوا بوصفه وبيان آثاره، واستغنوا بذلك عن تعريفه. والأصوليُّون قد أبدوا اهتمامًا شديدًا بدلالة السياق فالسياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد ... وذلك لأن دلالة النصوص نوعان: حقيقيَّة وإضافيَّة، فالحقيقيَّة تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافيَّة تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته بالألفاظ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك ..."راجع بدائع الفوائد لابن القيم (914 - 10) وإعلام الموقعين (1/ 350 - 351) وقد أوردت ابنتنا د. رقية تفاصيل هامَّة في"دلالة السياق"وتقسيمات قديمة وحديثة أوضحت هذه الدلالة بما لا يستغني الباحث في هذا المجال عن مراجعته، فراجع ذلك في رسالتها القيمَّة"أثر العرف في فهم النصوص: قضايا المرأة أنموذجًا"رسالة دكتوراه طبع ونشر وتوزيع دار الفكر في دمشق عام 1424 هـ /2003 م ص 260 - 265. وكذلك رسالة صديقنا د. إبراهيم أصبان التي نال بها درجة الدكتوراه بعنوان"دلالة السياق في القرآن"لم تطبع طبعة عامة."
(2) أما السباق: فهو لصيق جدًا بالسياق، وكبير الأثر في إدراك المناسبات، وهو ربط الكلمات والآيات والسور بما يسبقها، واعتبارها حلقة في سلسلة مترابطة.