إذا تبين هذا يتضح أن القراءتين في الوحي وفي الكون فريضتان، لأنهما أمران إلهيان فيهما كل ما في الأمر الملزم من شروط وصفات، والجمع بينهما ضروريَّ، إذ بدونه يقع الخلل.
فمن تجاوز القراءة الأولى في الوحي النازل إلى النبيين، واستغرق استغراقًا كليًا في القراءة الثانية التي تمثل علم الكون أو معارف الطبيعة، منقطعة عن الله -تعالى - فقد العلاقة بالله، وتجاهل الغيب، وانطلق بفلسفة إنسانية مستقلة وضعية منبتة عن الله، عوراء قاصرة في مصادرها، تحاول أن توحد بين الإنسان والطبيعة بإطلاق. وتعتبر الخالق والغيب كله مجرد ما ورائيّات أو ميتافيزيقا يمكن تجاهلها أو تجاوزها. وإذا كانت - هناك - قوة غيبية قد مارست خلقًا أو إيجادًا، فقد تكون مارسته بقوة الدفعة الأولى، ثم تناسته أو نسيته ليستمر الكون بعد ذلك فاعلًا ومنفعلًا بشكل آليّ كما ذهب إلى ذلك أرسطو [1] في القديم، ونيوتن [2] وغيره في الحديث، وحين يحلو لبعض هؤلاء المتفلسفين أن يتذكروا البارئ - جل شأنه - فإنًّهم قد يتذكرونه بشكل حلوليّ يزعم أصحابه أنّ الله - تعالى - قد حل في قوى الطبيعة ذاتها، وذاب فيها ليتحول إلى جزء حالٍّ فيها لينتهوا بعد ذلك إلى"الماديَّة الجدليّة"- التي أنكرت الخالق تمامًا، وطرحت بدائل له من اتجاهات النمو عبر خصائص التطوُّر الماديِّ المعقّد ليشعر الإنسان باندماجه الكامل بالطبيعة باعتبارها كائنًا طبيعيًّا وهنا يبدأ الإنسان الشعور بالغنى أو الاستغناء عن خالقه -جل شأنه-،لأنه لم يعد يرى غير الطبيعة أمامه فهي كل شيء وهي وراء كل شيء وهو في ظاهر الأمر قادر على قهرها بالعلم: فلا يراها وهي مسخًّرة مقهورة بسنن الله تعالى، بل يراها كونًا مستقلًا
(1) أرسطو: فيلسوف شهير ومعلم يوناني يعتبر من أهم فلاسفة اليونان القدماء، ترجم فلاسفة المسلمين تراثه الفلسفي، والمنطقي، وأعجب الكثيرين منهم، حتى أنهم قد لقبوه"بالمعلم الأول". (384 - 322) ق. م.
(2) نيوتن، اسحق: فيزيائي انكليزي صاحب قانون الجاذبية العام وقوانين الحركة. (1642 - 1727) م.