فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 53

أي امتدادً غيبيًا، وآنذاك لا يشعر أن الله - تعالى- قد سخرها له، وأنّه الخالق له ولها، بل يرى الإنسان أنه الفاعل المبدع، المتعدّد القدرات، المسيطر على الطبيعة، المفجِّر لكوامن ما فيها: وفي ذلك انحراف في الرؤية والتصور خطير فالكون مهيأ مسخر للإنسان، والإنسان مزود بالقدرات التمكينية الذهنية والعقلية والعلمية التي تمكنه من تسخير الكون، ليقوم بأمانة الاستخلاف، وحين يغفل الإنسان أو يعشو عن ذكر الرحمن، ولا يرى القدرة الإلهية في ذلك كله ظاهرة بهداية الوحي يشده الشعور بالاستغناء، والإحساس بالقدرة والإبداع إلى أن يجعل من علاقته بالكون علاقة تسلّط وقهر وصراع واستعلاء، لا استخلاف. ويفقد بوصلة الاهتداء، وتفقد عناصر الطبيعة علاقتها الوديّة بالإنسان، ويفقد الإنسان بدوره شعوره بأنه المخلوق المستخلف المؤتمن على الكون كلِّه، وأن كل هذه الأشياء المخلوقة مسخًّرة لهذا المؤتمن والمستخلف، وكلاهما في المخلوقيَّة والعبوديَّة لله - تعالى- سواء،"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 96) ، فإذا فقد هذا التصور فقد يتخذ الوجود - في نظره - شكل القوى المتصارعة المتنابذة، ويتخذ الإنسان الغافل - من نفسه وهواه - شكل المتألِّه المسيطر بالعلم على كل شيء، فيمجد ذاته ويتخذ إلهه هواه، ويتوهم أن له أن يستمد قيمه من ذاته ومن الطبيعة. والدين والإيمان- نفسه - قد يتحول في إطار هذه القراءة المنفردة العوراء إلى شيء يوظفه من شاء ساعة يشاء لتلبية رغبة، أو لأداء خدمة. وهنا يحق عليه القول: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى 96/ 6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (العلق: 6 - 7) ، فيقع في الاستبداد والطغيان على أخيه الإنسان. وتحدث كوارث البيئة، ويظهر التلوث والفساد في البر والبحر والجو بما كسبت أيدي الناس، ويختل التوازن وتظهر أمراض الانحراف والشذوذ في المعمورة، فقارات يعمها الجوع والخراب وأخرى تعمها الأمراض بكل أشكالها، والجرائم بكل أنواعها، وتسود المعيشة الضنكة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 124) .

وقد يُقنع الغافلون عن ذكر الرحمن أنفسهم بأن ما يحدث ضريبة طبيعيَّة لازمة لا مناص للراغبين في التمتّع بالمعطيات الحضاريَّة من احتمالها ودفع قيمتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت