الإنسانية والاجتماعية الحديثة، بل وفي العلوم الطبيعية المعاصرة كذلك أبعاد غائبة، وأسئلة كثيرة حيرى لا تجد من مدارس تلك العلوم المختلفة إجابات شافية، لأنها لم تكتشف ذلك التداخل المنهجي بين القراءتين إلا في حدود جزئية تمثلت في محاولات انتقائية يغلب على بعضها التلفيق الذي يجعلها تبدو مفتعلة إلى حد كبير كتلك المحاولات التي تبدو فيما عرف مؤخرًا بـ"الإعجاز العلمي" [1] .
(1) الإعجاز العلمي كان قد بدأه - فيما نعلم - الإمام فخر الدين الرازي بتفسيره"مفاتيح الغيب"أو التفسير الكبير، ولكنه شاع - مؤخرًا - وانتشر بين المتأخرين وقامت على أساس من خدمته مؤسّسات كثيرة، وكتب فيه كاتبون. ومع اقرارنا بفوائده في تعزيز إيمان بعض من استولت عليهم ثقافة العصر، وصار اسقاط ثقافة العصر على القرآن، وتعزيز موقعه بها مريحًا لهم، ومخرجًا لهم من الحيرة والتردد بين القرآن وثقافة العصر فإنّنا نربأ بالقرآن أن يدور حول ثقافة العصر القلقة المترددة، وعلومها المتذبذبة بين اليقينية والنسبيَّة= =والاحتمالية إنّ قصارى ما يقدِّمه ما يسمَّى"بالإعجاز العلميّ"أن يجعل القرآن مساويًا لثقافة العصر يحاول الحصول على تأييدها ومباركتها، وذلك سوف يخدم ثقافة العصر، ويروج لها بين المسلمين أكثر مما يخدم القرآن المجيد نفسه، وذلك يصادم القول"بإطلاقيَّة القرآن"ويسقط عليه نسبيَّة واحتماليَّة ثقافة العصر. وإذا كان العلم قد تحول في قرن واحد أو أكثر قليلًا من اليقينيَّة إلى الاحتماليّة والنسبيّة، ومن السببيّة الصلدة الجامدة إلى السببيَّة السائلة فما الذي سوف يحدث للقرآن وصفاته إن نحن أسقطنا ثقافة العصر عليه؟!
أما"الجمع بين القراءتين"و"منهجيَّة القرآن المعرفية"فإنها على النقيض من ذلك تجعل القرآن هو المصدّق على ثقافة العصر وعلومه ومناهجه، وهو الذي يقرّر صلاحيَّة الصالح منها، أو عدم صلاحيَّته، وهو المهيمن عليها، والحاكم فيها. والله أعلم.