الهدى ودين الحق. كما لم تؤد إلى الكشف عن التداخل المنهجيّ بين قراءة القرآن في وحدته البنائيّة، وقراءة الكون في وحدته القائمة على سننه وقوانينه. فقد بقيت آيات كريمة كثيرة ومقولات دينيَّة عديدة عرضة لتأويلات شتى. وفي كثير من تلك التأويلات تبدو الإسقاطات الإسرائيلية ونحوها واضحة [1] . كذلك بقيت في المعارف
(1) الإسرائيليات قد تداخلت مع جوانب كثيرة، من أبرزها التفسير، وقد جرت محاولات كثيرة ولا تزال تجري لفصل تلك الإسرائيليات عن تراثنا التفسيري، كتب في ذلك الشيخ محمد حسين الذهبي وأبو شهبة ورمزي نعناعة وآخرون كما أعدت دراسات جامعيّة في"إسرائيليات تفسير الطبري"وغيره. ولم تفلح تلك المحاولات كثيرًا في وضع خطوط فاصلة بين الإسرائيليات وغيرها في التراث، وذلك لأن التراث الإسرائيلي كان يشكل جزءًا أساسيًا من الثقافة الشفويّة في جزيرة العرب عند البعثة. ولأن كثيرًا من علماء بني اسرائيل قد أسلموا ودخلت معهم ثقافتهم التي كانوا يحملونها، وانتقلت إلى المعارف الإسلاميّة، ودونت في عصر التدوين على أنّها جزء من تلك المعارف. وقد أورد ابن خلدون في مقدمته تعليلًا وتحليلًا جيدًا لأسباب ذلك التداخل وطبيعته من المفيد ايراده. يقول ابن خلدون:"إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم! مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين كانوا يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنه بعد صيتهم، وعظمة أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ".
كما لخص محمد عزة دروزة - رحمه الله - روايات كثيرة عن مختلف المصادر العربية القديمة التي عززتها روايات الآخرين ومصادرهم، أن جماعات من بني إسرائيل قد جاءوا إلى مختلف المناطق الحجازية من أمد بعيد واستقر أكثرهم في يثرب في ناحيتها على طريق الشام، وكان بعض أفرادهم يترددون على مكة أو يقيمون فيها. وقد تعلموا اللغة العربية واشتركوا في حياة العرب وتقاليدهم وصار لهم فيهم أنصار وحلفاء ومحبون ومراكز قوى، وأنهم نشروا عن أنفسهم علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون= =والدين السماوي الذي يدينون به والكتاب المنسوب إلى الله ورسله الذي يتداولونه، وكانوا يزهون بذلك على العرب ويفخرون ويستفتحون عليهم بل ويدلسون في كل ذلك عليهم، ويظهرون غرورًا وخيلاء وتبجحًا بما عندهم من العلم وما يصدر عنهم من معارف ولو كان فيها زيف وتدليس، ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه وأصحاب الحظوة لديه، وأن ذلك قد أثر على العرب تأثيرًا غير يسير فكان لليهود بسببه مكانة ممتازة صاروا بها مرشدين وقضاة، وأنه كان لهم كيان طائفي ديني ولهم معابدهم ومدارسهم وأحبارهم وربانيوهم. وكان لهؤلاء تأثير كبير على أبناء الطائفة كما كانوا قضاتهم، وكان منهم من يتخذ منصبه ونفوذه وسيلة إلى إبتزاز المال بالباطل، وكانوا يتعاطون السحر والشعوذة أيضًا، وكانوا جاليات كثيرة العدد منهم بل أكثرهم استقروا في أحياء خاصة لهم في يثرب المدينة وحصنّوها كذلك بالقلاع والحصون والأسوار، ومنهم من سكن في مزارع وقرى خارج المدينة منها القريب ومنها البعيد وحصنّوها بالقلاع والحصون والأسوار، وكانوا يقتنون مختلف أنواع السلاح وبكمَّيّات كبيرة من سيوف ورماح وَقِسِىّ ونبال وحراب ودروع. ولم يكونوا متحدين في كيان سياسي وعسكري وديني، بل كانوا فرقًا وأحزابًا، وكانوا على خلاف ونزاع وعداء. وكان في المدينة قبيلتان عربيتان هما الأوس والخزرج وكان بينهما نزاع وعداء وحروب. فكان فريق من اليهود متحالفًا مع إحداهما وفريق آخر مع الأخرى، وكان كل فريق يقاتل مع حليفه الفريق الآخر مع حليفه من اليهود، ومع ذلك فقد كان طابع الذلة والمسكنة والجبن والغربة والفزع يطبعهم جميعًا فكانت محالفتهم مع العرب بالإضافة إلى حصونهم وقلاعهم وسلاحهم وسيلتهم إلى الاستمساك والبقاء، وكانوا لأجل ذلك يحرصون على أن يبقى النزاع والعداء قائمًا بين القبيلتين العربيتين، وكانت لهم حقول ومزارع وبساتين وأموال وأملاك، وكانوا يشتغلون بالتجارة والصناعة والربا فكان كثير منهم نتيجة لذلك أغنياء وأصحاب ثروات، وكان ذلك يساعدهم على النفوذ والتأثير بالعرب أيضًا.
راجع مقدمة ابن خلدون: (ج 3 ص 935 - 936) / تأليف عبد الرحمن بن محمد بن خلدون؛ تحقيق د. علي عبد الواحد وافي.- نهضة مصر، 2004. وراجع"القرآن والمبشرون"، و كتابنا"اشكالية الردة" (34 - 36) ط. دار الشروق الدولية بالقاهرة.