ويقول الطنطاوي:"والمعنى: لقد أنزلنا التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، وجعلناه {مُصَدِّقًا لِّما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ} أي: مؤيدا لما في تلك الكتب التي تقدمته: من دعوة إلى عبادة الله وحده، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق. وجعلناه كذلك {مهيمنًا عليها} أي: أمينًا ورقيبًا وحاكمًا عليها" [1] .
فعلاقة الإسلام في هذه المرحلة بالأديان الأخرى علاقة تصديق وتأكيد وتحكيم كلي وكامل. ولكن هل المراد بها ما يتبادر إليه الذهن بأن المراد بالتصديق بين الكتب الإلهية أن يكون القرآن الكريم تجديد للكتب التي سبقته وتذكير بها، فلا تغير فيها معنى، ولا تبدل حكمًا. لأن التصديق لا يكون إلا بالتأييد ما قيل، ولا يقال: إنها تصدق بينما هي تبدل وتعدل؟ وإذا كان من قضية التصديق بين الكتب ألا يغير المتأخر منها شيئًا من المتقدم فهل الواقع هو ذلك؟ ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الإنجيل قد جاء بتعديل بعض أحكام التوراة؛ كما صرّح الله حكايةً عن عيسى أنه جاء ليحل لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم فقال: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي
(1) محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، (القاهرة: دار نهضة مصر، ط 1، 1997 م) ، ج 4، ص 180.