ومضارِّه مستقلا بدون الوحي الرباني، وهذا هو الذي تقرر في مفهوم الجيل الأول حينما تمسكوا بمنبعهم الصافي من الوحي في طور تلقيهم، ثم حدث بعد ذلك أن اصطفت إلى جانب هذا الوحي ثقافات تعتمد على العقل المجرد، من الفلسفة الإغريقية، وذلك في عهد العباسيين، فنشأت فرق كثيرة، وتخبطات كثيرة في فكر المسلمين، أصابتها اللوثة الإغريقية الفلسفية، فجعلوا العقل حاكما، ومتقدما بين يدي الله ورسوله، ويذكر الناس المعتزلة نموذجا للغزو الفكري الإغريقي في فكر المسلمين، حيث جعلوا العقل هو المحكم في الوحي، وجعلوه هو المرجع الأخير في كل أمر من الأمور حتى العقيدة، ولئن اختفت هذه المدرسة بصورتها العتيقة، إلا أنها برزت بثوب جديد، أكثر انتشارًا، وأوسع تأثيرًا على الساحة الإسلامية اليوم، فلم تجنِ الأمة منها سوى التشكيك في النصوص، وبث الشبهات المتناقضة مع الإيمان، وهذا واضح في قواعدهم ومناهجهم، وصرح بها علماؤهم، ويستوي بذلك متقدموهم ومتأخر وهم، وهم في ذلك مابين مستقلٍ ومستكثر، من اعتمادهم العقل على النقل، وتقديمه عليه، بل جعلوه قانونًا كليًا فيما يستدلون به من كتب، فقالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدم النقل، إلى غير ذلك مما قالوه.
بل جعلوا العقل هو مصدر التحسين والتقبح في الأشياء، وقد نقل الشهرستاني اتفاقهم على ذلك بقوله: (واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع وتجب معرفة الله تعالى بالعقل) ، - وهذا خلاف ما قرره أهل السنة، حيث قالوا: إن الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب.
فهؤلاء العقلانيون قالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل!، وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف، وكل يدعي وصلا بليلى، وهذا يدل دلالة لا لبس فيها على بعدهم من القرآن الكريم.
إذ ما تقدم ذكره يبين مدى تأثير المدرسة العقلانية الدخيلة وغيرهم من أهل الزيغ على المنهج الرباني، وما اخترعوه من بدع ومحدثات في دين الله تعالى، وفهم غريب لمنهج الوحي، بل إن العقلانية خلقت صراعًا، وأوجدت نزاعًا بين نصوص الوحي والعقل، وانفرطت من عقد التمسك بكتاب ربها، وإننا نقذف هذه الأفهام العقيمة، والأفكار المضللة، بالتمسك بوحي ربنا، وما تقرر في منهج الحق: أن النقل الصحيح موافقٌ للعقل الصريح، ولا تعارض بينهما البتة.
و أن مبنى العقيدة الإسلامية على القبول والتسليم في نصوص الوحي، قال الله تعالى:"وما كان"