جاء عن جابر -رضي الله عنه-، قال: كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية:(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيل.
الإسلام: هو صراط الله وسبيله الذي تنكبت الأمة عنه، وقد نهاهم الرب عن مغبة تركه واتباع الضلالات والبدع والشهوات؛ التي هي سبل الشيطان، حيث آل الأمر إلى التفرق والبعد عنه منهجه، قال ابن جرير: سبيله: الإسلام، وصراطه: الإسلام، نهاهم أن يتبعوا السبل سواه).
وعن ابن عباس: في قوله تعالى"ولاتبعوا السبل"قال لا تتبعوا الضلالات، وجاء عن مجاهد قوله: لا تتبعوا البدع والشبهات.
إذن السبل التي نهى الله عنها يمكن القول فيها هي كل طريق تبعدك عن طريق الله تعالى من بدع، وفرق، ومعاصي، وكان للهواء حظٌ لاتباعها، كما ذكر ذلك القرطبي عند تفسيره لهذه الآية:"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". بقوله: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد.
ولقد كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين صاحب هوى فتنه هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه، والله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال.
وقد تطرق الإمام ألشاطبي-رحمه الله تعالى-: وهو يذكر علامات أهل البدع، منها: الفرقة التي نبه عليها قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء (الأنعام/ 159) وقوله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (آل عمران/105) فعزا رحمه الله- إلى بعض المفسرين: أنهم صاروا فرقا لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين تشتتت أهواؤهم فافترقوا ثم برأ الله نبيه منهم بقوله: لست منهم في شيء. ثم ذكر أن الصحابة اختلفوا ولم يتفرقوا إلى أن قال-رحمه الله تعالى-: فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام. وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة