الرفض والاعتزال» [1] (1/ 249ـ252) : (قال - أي المخالف: وقاتل عليا وعلي عندهم رابع الخلفاء، إمام حق، وكل من قاتل إمام حق فهو باغ ظالم.
قلنا: نعم، والباغي قد يكون متأولا معتقدا أنه على حق، وقد يكون بغيه مركبا من تأويل وشهرة وشبهة وهو الغالب.
وعلى كل تقدير فهذا لا يرد، وإنا لا ننزه هذا الرجل ولا من هو أفضل منه عن الذنوب، والحكاية مشهورة عن المسور بن مخرمة أنه خلا بمعاوية فطلب منه معاوية أن يخبره بما ينقمه عليه، فذكر المسور أمورًا، فقال: يا مسور، ألك سيئات؟ قال: نعم، قال: أترجو أن يغفرها الله؟ قال: نعم، قال: فما جعلك أرجى لرحمة الله مني، وإني مع ذلك والله ما خيرت بين الله وبين سواه إلا اخترت الله على ما سواه، ووالله لما أليه من الجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من عملك، وأنا على دين يقبل الله من أهله الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات ....
فإن قيل: هؤلاء بغاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» .
قلنا: الخبر صحيح، وقد تكلم فيه بعضهم، وبعضهم تأوله على أن الباغي الطالب، وهذا لا شيء.
وأما السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم فيقولون: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله يأمر بقتالها ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم إن بغت إحداهما قوتلت.
ولهذا كان هذا القتال عند أحمد ومالك: قتال فتنة.
وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدؤوا بقتال الإمام، وهؤلاء لم يبدؤوه.
ثم أهل السنة تقول: الإمام الحق ليس معصوما، ولا يجب على الإنسان أن يقاتل معه كل من خرج عن طاعته، ولا أن يطيعه الإنسان فيما يعلم أنه معصية وأن يتركه أولى.
وعلى هذا ترك جماعة من الصحابة القتال مع علي لأهل الشام، والذين قاتلوه لا يخلو
(1) وهذا الكتاب اختصار لكتاب «منهاج السنة» لابن تيمية، ولكن الذهبي يختصر الكلام بلفظ منه، ويضيف إليه بعض الكلمات.