إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين.
وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ، {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسماهم إخوة) ا. هـ.
6ـ وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (3/ 218) :(وهذا الحديث من دلائل النبوة، حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين، وعمار مع علي وأهل العراق ... وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم؛ لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد: «تقتلك الفئة الباغية» : «لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة» فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقلها، إذ لم تنقل من طريق تقبل، والله أعلم.
وأما قوله: «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعًا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه، والله أعلم)ا. هـ.
وما أحسن ما قاله أبو عبدالله الذهبي في «السير» (3/ 128) :(فنحمد الله على العافية ا لذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ - إن شاء الله - مغفور، وقلنا كما علمنا الله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] .
وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق.
وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار، قد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان) .