الصفحة 94 من 128

وواحد منهم يبيح هذا الفرج وآخر منهم يحرمه، كبكر أنكحها أبوها وهي بالغة عاقلة بغير إذنها ولا رضاها، وغير هذا كثير.

وكذلك في الشرائع والأموال والأبشار.

وهكذا فعلت المعتزلة بشيوخهم كواصل وعمرو وسائر شيوخهم وفقهائهم، وهكذا فعلت الخوارج بفقهائهم ومفتيهم.

ثم يضيقون ذلك على من له الصحبة والفضل، والعلم والتقدم والاجتهاد، كمعاوية وعمرو ومن معهما من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون، وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد، وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر، وفيهم من لا يراه.

فأي فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما، لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم؟!

وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان متأولًا، وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله، ولا بموجب له فسقا، بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق، وأن له أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مأجورون أجرا واحدًا.

وأيضا فالحديث الشريف الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن مارقة تمرق بين طائفتين من أمته، يقتلها أولى الطائفتين بالحق، فمرقت تلك المارقة وهم الخوارج، بين أصحاب علي وأصحاب معاوية، فقتلهم علي وأصحابه، فصح أنهم أولى الطائفتين بالحق، وأيضا الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقتل عمارا الفئة الباغية» .

قال أبو محمد: المجتهد المخطئ إذا قاتل على ما يرى أنه الحق قاصدًا إلى الله تعالى بنيته غير عالم بأنه مخطئ فهو فئة باغية، وإن كان مأجورًا، ولا حد عليه إذا ترك القتال ولا قود، وأما إذا قاتل وهو يدري أنه مخطئ فهذا محارب تلزمه حدود المحاربة والقود، وهذا يفسق ويخرج لا المجتهد المخطئ، وبيان ذلك قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله} إلى قوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت