الصفحة 93 من 128

قلت: وبضم النصوص بعضها إلى البعض الآخر اتضحت هذه المسألة، وقد تكلم بعض أهل العلم على هذه القضية وذكروا بعض ما تقدم [1] :

1ـ قال يعقوب بن شيبة في «مسنده» - في المكيين، في مسند عمار بن ياسر، لما ذكر أخبار عمار: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار: «تقتلك الفئة الباغية» ، فقال أحمد: قتلته الفئة الباغية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: في هذا غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا ا. هـ من «منهاج السنة النبوية» (4/ 414) .

2ـ وقال أبو محمد ابن حزم في «الفصل» : (وأما أمر معاوية رضي الله عنه فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته؛ لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره، لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام، وهو الإمام الواجبة طاعته، فعلي المصيب في هذا، ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان، والكلام فيه من ولد عثمان، وولد الحكم ابن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت، وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر، وروي: الكبر الكبر، فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابني مسعود، وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه، فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه، وأضاف في ذلك الأثر الذي ذكرنا، وإنما أخطأ في تقديم ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة، كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجرا واحدا وللمصيب أجرين.

ولا عجب أعجب ممن يجيز الاجتهاد في الدماء، وفي الفروج، والأبشار، والأموال، والشرائع التي يدان الله بها من تحريم وتحليل وإيجاب، ويعذر المخطئين في ذلك، ويرى ذلك مباحا لليث، وأبي حنيفة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وداود، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم، كزفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وابن القاسم، وأشهب، وابن الماجشون، والمزني، وغيرهم.

فواحد من هؤلاء يبيح دم هذا الإنسان، وآخر منهم يحرمه كمن حارب ولم يقتل، أو عمل عمل قوم لوط، وغير هذا كثير.

(1) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (3/ 189) ط. دار المنهاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت