الصفحة 95 من 128

فهذا نص قولنا دون تكلف تأويل، ولا زوال عن موجب ظاهر الآية، وقد سماهم الله عز وجل مؤمنين باغين بعضهم إخوة بعض في حين تقاتلهم، وأهل العدل المبغي عليهم والمأمورين بالإصلاح بينهم وبينهم، ولم يصفهم الله عز وجل بفسق من أجل ذلك التقاتل، ولا بنقص إيمان، وإنما هم مخطئون فقط باغون، ولا يريد واحد منهم قتل الآخر، وعمار رضي الله عنه قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي، شهد بيعة الرضوان، فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه، وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو العادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا، وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه؛ لأنهم لا مجال للاجتهاد في قتله؛ لأنه لم يقتل أحدا، ولا حارب، ولا قاتل، ولا دافع، ولا زنا بعد إحصان، ولا ارتد، فيسوغ لمحاربه تأويل، بل هم فساق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل، على سبيل الظلم والعدوان، فهم فساق ملعونون.

فإذا قد بطل هذا الأمر وصح أن عليا هو صاحب الحق، فالأحاديث التي فيها التزام البيوت وترك القتال إنما هي بلا شك فيمن لم يلح له يقين الحق أين هو؟ وهكذا نقول، فإذا تبين الحق فقتال الفئة الباغية فرض بنص القرآن، وكذلك إن كانتا معا باغيتين، فقتالهما واجب؛ لأن كلام الله عز وجل لا يعارض كلام نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كله من عند الله عز وجل، قال الله عز وجل: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، وقال عز وجل: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ، فصح يقينا أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من عند الله عز وجل، وإذ هو كذلك فليس شيء مما عند الله تعالى مختلفا، والحمد لله رب العالمين.

فلم يبق إلا الكلام على الوجوه التي اعترض بها من رأى قتال علي رضي الله عنه.

فنقول وبالله تعالى التوفيق:

أما قولهم: إن أخذ القود واجب من قتلة عثمان رضي الله عنه والمحاربين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم الساعين في الأرض بالفساد، والهاتكين حرمة الإسلام، والحرم والإمامة والهجرة، والخلافة والصحبة والسابقة فنعم.

وما خالفهم قط علي في ذلك ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عددا ضخما جمًا لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن علي رضي الله عنه مالا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج ولا فرق، قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ، ولو أن معاوية بايع عليا لقوى به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصح أن الاختلاف هو الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت