ويؤيد ما تقدم ما رواه أحمد (4/ 363) والطبراني في «الكبير» (2438) ، والحاكم (4/ 80) وصححه، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (10/ 145) كلهم [1] من طريق الثوري عن الأعمش [2] عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والمهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» [3] .
(1) وقع في إسناد أحمد خطأ، وهو: نسبة موسى بن عبد الله إلى هلال العبسي وجعلهم واحدًا، وقد نبه على هذا الهيثمي وابن حجر كما في «إتحاف المهرة» (4/ 56) .
(2) رواه شريك كما عند أحمد (4/ 363) والطبراني (2456) فخالف فيه الثوري، فرواه عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير، ولا شك أن رواية الثوري أصح.
(3) إسناده قوي، ورجاله كلهم ثقات، وموسى بن عبد الله ثقة بالاتفاق، خرج له مسلم في «صحيحه» ، وعبد الرحمن بن هلال العبسي وثقه النسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في «الثقات» ، وقد خرّج له مسلم ثلاثة أحاديث عن جرير، وهي: (989، 1017، 2592) .
وفي معجم الطبراني «الكبير» (2448) من طريق مجالد ثني عبد الرحمن بن هلال قال: أرسلني أبي إلى جرير بن عبد الله ... قال: فأتيته وسألته ...
وهذا فيه إثبات سماع عبد الرحمن من جرير.
ولكن لم أقف للأعمش على تصريح بالسماع في هذا الحديث من موسى بن عبد الله مع أن له رواية عنه في مسلم (1017) ، على أن يعقوب بن سفيان قال في «المعرفة» (2/ 637) : وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش ما لم يعلم أنه مدلّس يقوم مقام الحجة ا. هـ. وفي هذا الخبر لا يعلم أن الأعمش دلّس فيه.
وأما عنعنة الثوري فلا تضر لأنه معروف بالرواية عن الأعمش وأغلب تدليسه إنما هو من تدليس الشيوخ، وأما تدليس الإسناد فقليل، قال البخاري: ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور ... وذكر مشايخ كثيرة لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه. ا. هـ. من «العلل» للترمذي (2/ 966) .
وقد جاء هذا الخبر من طرق أخرى: فقد أخرجه أبو داود الطيالسي (706) وأحمد (4/ 363) وابن حبان (7260) والطبراني في «الكبير» (2302) ، (2310) ، (2311) ، (2314) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 145 - 146) ، وابن عدي في «الكامل» (3/ 1122) والخطيب في «التاريخ» (13/ 44) من طرق عن أبي وائل عن جرير به، وأبو وائل وإن كان قديمًا وقد أدرك الجاهلية ولكنه يرسل، ولا أعرف أنه سمع من جرير، وليس له في «الكتب الستة» رواية عن جرير إلا حديث واحد، أخرجه النسائي (7/ 147) وبينَّ أن بينهما رجلًا.
وقد خرج الطبراني في «الكبير» عدة أحاديث من رواية أبي وائل عن جرير (2302 - 2317) ولم يصرح في شيء منها بالتحديث عن جرير.
ومن الطرق التي رويت عن أبي وائل - أي: في حديث الطلقاء - طريق عاصم بن أبي النجود عنه، وقد اختلف عليه:
فرواه أبو بكر بن عياش وشريك وعمرو بن قيس وسليمان بن معاذ كلهم عن عاصم عن أبي وائل عن جرير.
وخالفهم إسرائيل، فرواه عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله به، أخرجه البزار (1726) وقال: وهذا الحديث أحسب أن إسرائيل أخطأ فيه، إذ رواه عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله؛ لأن أصحاب عاصم يروونه عن عاصم عن أبي وائل عن جرير. ا. هـ.
وتابعه عكرمة بن إبراهيم، أخرجه أبو يعلى (5033) والطبراني في «الكبير» (10408) ، وعكرمة بن إبراهيم ضعيف.
وقال الدارقطني في «العلل» (5/ 103) : يرويه عاصم بن بهدلة، واختلف عنه، فرواه عكرمة بن إبراهيم عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، ووهم فيه، والصواب عن عاصم عن أبي وائل عن جرير بن عبد الله.
قيل له: يحيى بن آدم رواه عن إسرائيل بن عاصم عن شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: كذلك قال يحيى بن آدم عن إسرائيل، رواه الحسين بن واقد عن الأعمش عن شقيق بن عبد الله موقوفًا. ا. هـ.
وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه البزار من تخطئة إسرائيل لأمرين:
1 -... أنه خالف الأكثر.
2 -... أنه سلك الجادة في حديث أبي وائل، فجعله عن ابن مسعود، والحفاظ يقدمون من خالف الجادة؛ لأن هذا يدل على حفظه.
وأذهب أيضًا إلى ما ذهب إليه الدارقطني من الحكم على رواية عكرمة بن إبراهيم بالخطأ؛ لما تقدم ولشدة ضعفه.
وأما رواية حسين بن واقد عن الأعمش ففيها نظر أيضا، وذلك لما تقدم.
وأيضًا قد رواه أبو حذيفة - تقدمت هذه الرواية وأخرجه الطبراني وأبو نعيم - عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي وائل عن جرير.
ورواه الحجاج عن الحكم بن عتيبة عن أبي وائل عن جرير، أخرجها الطبراني، وحجاج هو ابن أرطأة وإن كان فيه ضعف ويدلس، ولكنها معتضدة بما تقدم.
هذا بالإضافة إلى رواية عاصم عن أبي وائل، فرواية هؤلاء تقدم على رواية حسين بن واقد، على أن فيه بعض الكلام، مع وقفه لهذا الحديث، وهذا مخالفة لكل من رواه.
ويؤيد أن هذا الحديث من مسند جرير رواية سفيان الثوري عن الأعمش عن موسى بن عبد الله عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير كما تقدم، ولا شك أن رواية الثوري عن الأعمش تقدم على رواية حسين بن واقد.
طريق آخر: أخرج الطبراني في «الكبير» (2284) من طريق الحسن بن عطية ثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل عن قيس عن جرير به، وهذا إسناد ضعيف، قيس لا يحتج به، وأما الحسن بن عطية فهو القرشي، قال أبو حاتم: صدوق.
والحديث بمجموع طريقيه حديث حسن ثابت، وقد صححه ابن حبان والحاكم، والله أعلم.