الصفحة 40 من 66

منها: بغض الإسلام وأهله، وحب علو الكفر وأهله، أو الطعن في الإسلام وشرائعه باطنا وبين من هم على شاكلته، مع إظهار اتباعه ظاهرا، قال تعالى مبينا حال أهل هذا الصنف (وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) [1] ، وقد فضح الله خبيئة هؤلاء وهتك سترهم في كثير من آيات القرآن.

10ـ كفر الهوى: وهو أن يكون المتبوع الأول عند المرء هو هوى النفس وحظها ولا يُنظر أخالف الشرع أم وافقه، وهذا من أعظم ما يقع فيه الناس من أنواع الكفر، وهذا الذي ورد فيه قوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) [2] ، وقد قال السلف فيه: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه.

وقال ابن تيمية رحمه الله في بيان معنى الكفر أيضا: الكفر هو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله حسدا أو كبرا، أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذب أعظم كفرا، وكذلك الجاحد المكذب حسدا مع استيقان صدق الرسل، والسُوَر المكية كلها خطاب مع هؤلاء. اهـ [3]

وباعتبار ما يتعلق به سبب الكفر، فإن أسباب الكفر متعددة منها:

السبب الأول: الحسد والكبر الذي يمنع من الانقياد للأمر، وهو داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله تعالى، وبه تخلف الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا صحة نبوته، وكذلك كان الحسد والكبر في كفر أبي جهل وابن سلول، فإنهم لم يرتابوا في صدقه صلى الله عليه وسلم، ولكن حملهم الكبر والحسد على الكفر به صلى الله عليه وسلم ورد دعوته.

السبب الثاني: الرياسة والملك، وهذا كحال هرقل الذي ضن بملكه، وخاف عليه، ومنعه ذلك من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن اتباعه سيذهب ملكه، مع أنه صدق بنبوته صلى الله عليه وسلم وتمنى أن يصل إليه ويغسل عن قدمه، ودعا قومه إلى الإيمان به، ولكنه ضن بملكه لما لم يطاوعه قومه، وحديثه في البخاري والسنن [4] .

(1) سورة البقرة، الآية: 14.

(2) سورة الفرقان، الآية: 43.

(3) مجموع الفتاوى ج13/ 335.

(4) روي البخاري في صحيحه والترمذي وأبو داود وأحمد وغيرهم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشأم في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا ... ) إلى قوله (فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام ... ) إلى قوله (فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي وقال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عنه فكان ذلك آخر شأن هرقل)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت