مع أنه حجة عليهم فإنه لم يثبت العصمة للدم والمال إلا بحق الإسلام والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق.
وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه وهو (لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث) فهو حجة في المسألة فإنه جعل منهم التارك لدينه والصلاة ركن الدين الأعظم ولا سيما أن قلنا بأنه كافر فقد ترك الدين بالكلية، وأن لم يكفر فقد ترك عمود الدين فهو في حكم من ترك الدين [1] .
هذه المسألة من مسائل الخلاف المشهورة قديما وحديثا وفيها قولان للعلماء أحدهما: أنه يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وهو قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الأوزاعي وأيوب السختياني وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن الحسن وعبد الملك بن حبيب من المالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، والقول الثاني: يقتل حدا لا كفرا وهو قول الزهري ومالك وأبو حنيفة وأحد الأقوال عن أحمد والشافعي، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ما وقفنا عليه من دلائل وحجج الفريقين بالعدل والإنصاف ثم نبين صحة دلالة كل دليل على المطلوب ثم نبين الراجح من القولين بتوفيق الله تعالى فنقول:
قال الذين لا يكفرون من ترك الصلاة تكاسلا: إنه قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه بيقين فلا نخرجه عن الإسلام إلا بيقين مثله، وقالوا: إنه قد ثبت من الدلائل أن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم مشهود له بالجنة وأنه مغفور له كل ذنب خلا الشرك بالله، قال الله عز وجل (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [2] .
وقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من العمل) [3]
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفة على الرحل (يا معاذ؟ قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا،
(1) راجع في هذه المسألة: الأم للشافعي ج1/ 255، المغني لابن قدامة ج2/ 156 وما بعدها، إعانة الطالبين للسيد البكري ج1/ 22، شرح العمدة لابن تيمية ج4/ 60، الصلاة لابن القيم/4، المهذب للشيرازي ج1/ 51
(2) سورة النساء، الآية: 48.
(3) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان والبيهقي والبزار وأبو عوانة وابن أبي شيبة.