قال المكفرون لتارك الصلاة تكاسلا: الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم الصحابة رضي الله عنهم تكفير تارك الصلاة بأعيأنهم، وقد جاء هذا كما ذكرنا عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، قالوا: ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم، وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم.
أما الكتاب فالدليل الأول قوله تعالى (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون أن لكم في لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) [1] ، فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال (يوم يكشف عن ساق) وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين من أهل الإسلام في دار الدنيا، وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم صلبة لا تنحني إذا سجد المسلمون، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين.
الدليل الثاني قوله تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتأنا اليقين) [2] ، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال المذكورة في الآية هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين أو مجموعها، فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة على أن تارك الصلاة من المجرمين أهل النار، وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة، إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين، بل التكذيب وحده كاف في العقوبة، فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك، إذ لا يمكن لقائل أن يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة، فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام وكون فاعلها من أصحاب النار وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد
(1) سورة القلم، الآيات: 43:35.
(2) سورة المدثر، الآيات: 47:38.